ما زلت أبحث عن العباس (عليه السلام).

ما زلت أبحث عن العباس (عليه السلام).
ما زلت أبحث عن العباس (عليه السلام).
كتبت: د.غدير سلام عارف
أترحل؟
وأنا أسندت هذا العالم على قامتك.
أتهوى قتيلاً؟ وتنتزع روحك من فؤادي لتحلق، وتتركني أفتش في الجهات عن أثر يشبهك فلا أجد؟
يا مولاي، ما تعلقت روحي بأحد من أهل الأرض إلى يومنا هذا، لأنني وجدتك حياً في أعماقي، ووجدت في محبتك اكتمال الأشياء.
ومهما بلغت الملامة، وأثقلني كلام الناس، بقي في القلب متسع من الطمأنينة لا تصل إليه ضوضاؤهم.
كنت كافياً لأن تمتلئ الروح، وواهباً لي من الطمأنينة ما يجعلني أعبر سنوات العمر مكتفية بهذا الحب، لأن حضورك لم يترك في داخلي فراغاً أبحث عن ملئه.
وقد وهبني والدي في خدمتك، وربطتني أمي بعهد محبتك، فكبر الاسم في قلبي قبل أن أكبر، وصارت سيرتك جزءاً من ذاكرتي، كأنها شيء ولد معي ولم أتعلمه.
أحبك فوق ما يصف المحبون محبتهم، وأهوى إليك في كل مرة كأنها المرة الأولى. وكلما ازدادت بي السنون، ازددت يقيناً أن الأرواح العظيمة لا تغيب، وأن بعض الرجال لا ينتهون عند حدود الزمن، بل يبدأ حضورهم الحقيقي بعد الرحيل.
ولذلك ما زلت لا أرى إلا أنت.
ولست أراك ذكرى، وإنما معنى لا يغيب، ولا أعدك قصة من الماضي، بل حضوراً يمتد في الروح كلما مر اسمك، وكلما رفرف لواؤك، وكلما وقفت القلوب عند بابك تستجدي شيئاً من الأمان.
كبرت وأنا أسمع عنك، لكنني كلما كبرت اكتشفت أنني لم أكن أعرف من عظمتك إلا القليل. كنت أظنك بطلاً يحمل راية، ثم أيقنت أنك راية بحد ذاتك. وكنت أظنك أخاً للحسين، فإذا بك صورة الوفاء حين أراد الوفاء أن يتجسد في إنسان.
يا أبا الفضل~
لم أتعلم منك الشجاعة وحدها، بل أيقنت أن القوة ليست في السيف، وإنما في الثبات. وعرفت أن العطاء الحقيقي هو أن تنسى نفسك حين يحتاجك الآخرون، وأدركت أن بعض المواقف تصنع من الإنسان عمراً أطول من عمره.
ولهذا كلما نظرت إلى هذا العالم، وجدت أن الأشياء الجميلة فيه تشبهك بطريقة ما.
فالكرامة تحمل شيئاً من ملامحك، والشجاعة تستحضر سيرتك، وكلمة الحق تفضي إلى ذكرك، والوفاء يعيدنا إليك، وحفظ العهد يشي بك، وكل موقف نبيل يذكر بك.
وحين تثقل الأيام على الروح، وتكثر الطرق التي لا تشبهنا، ألتفت نحوك. لا طلباً لشيء من الدنيا، بل بحثاً عن ذلك السكون الذي لا أجده إلا عندك.
ففي اسمك طمأنينة تسكن القلب، ويصحب ذكرك أمان لا يشبهه أمان، ويشرق منه نور يجعل القلب أقل وحشة كلما مر بخاطره أنك هنا.
لذلك لم تكن علاقتي بك مرحلة من العمر، ولا عاطفة عابرة، ولا حكاية أرويها.
أنت الجهة التي كلما ضعت اهتديت إليها، والاسم الذي كلما ضاقت بي الدنيا اتسعت به، والطمأنينة التي ما زلت أجدها عندك وحدك.
فإن سألوني يوماً: كيف بقي قلبكِ ممتلئاً وسط هذا العالم؟
سأقول:
لأنني عرفت العباس~وكان رجلاً يشبه الطمأنينة. عاشوراء١٤٤٨ه







