**لوكيشن**-

الرابط المختصرhttps://www.ashurnews.com/?p=60746

**لوكيشن**-

Linkedin
Google plus
whatsapp
19 يونيو , 2026 - 2:33 م

**لوكيشن**-

كتبت: د. دعاء يوسف

في زمن غير بعيد، كانت المدينة تُروى لا تُختصر. كان الإنسان يحمل في ذاكرته خارطة لا تُرى بالعين، لكنها أدق من أي قمر صناعي: زاوية شارع تنحني هناك، رصيف مكسور يُذكّرك بأنك اقتربت، رائحة خبز تخرج من فرن قديم تعرف أنك وصلت قبل أن تصل. لم تكن الاتجاهات أرقاماً ولا إشارات، بل كانت لغة حيّة يتقنها كل من عاش في المكان وأحبّه، لغة تُورَث من جيل إلى جيل كما تُورث الحكايات والأسماء.

اليوم، تغيّر كل هذا بهدوء، دون أن نلحظ متى بدأ التحوّل بالضبط. أصبحت كلمة “لوكيشن” تكفي لتُغلق فصلاً كاملاً من علاقتنا بالمكان. لم نعد نسأل “كيف أصل؟”، بل نسأل “أين تقع النقطة؟”. ولم نعد نحفظ الطرقات، بل نتبع خطاً أزرق يتحرك أمامنا بصمت، لا يخبرنا عن المكان شيئاً سوى المسافة والزمن. وهكذا، بين سهولة الوصول وغياب المعرفة، خسرنا دون أن نشعر جزءاً عزيزاً من علاقتنا بالأرض التي نمشي عليها.

ثمة مفارقة مؤثرة في هذا التحوّل: كلما ازدادت دقة الخرائط الرقمية، تراجعت دقة ذاكرتنا المكانية. نزور المكان نفسه عشرات المرات، ثم نقف حائرين فيه حين ينقطع الإنترنت أو يفرغ شحن الهاتف، كأن الطريق لم يترك في داخلنا أثراً يُذكر، وكأن كل تلك الزيارات لم تكن سوى عبور سريع لم يمسّ الذاكرة. الإنسان الذي كان يحفظ المدينة بقلبه، أصبح اليوم يحتاج إلى جهاز صغير ليتذكر طريقه إلى بيت صديق، أو إلى مكان زاره أكثر من مرة.

د, دعاء يوسف

وفي هذا التبدّل، خسرنا أيضاً شيئاً إنسانياً بسيطاً كان يجمعنا: سؤال الغريب عن الطريق. كان ذلك السؤال فرصة للقاء عابر، لحديث قصير، لابتسامة تُستبدل بكلمات بسيطة: “تفضل، أنا أيضاً ذاهب من هناك”. كان فيه دفء لا تمنحه الخرائط الرقمية، ولا تمنحه الأصوات الآلية التي تهمس بالاتجاهات دون أن تنظر في عيون من تتحدث إليه. أصبح المكان وسيطاً صامتاً بيننا وبين التكنولوجيا، بعد أن كان وسيطاً حيّاً بيننا وبين الناس.

ولعل الأمر الأكثر إيلاماً في هذا التحوّل هو ما يحدث لذاكرتنا على المدى البعيد. فالذاكرة المكانية ليست مجرّد قدرة عملية على الوصول إلى الأماكن، بل هي جزء من هويتنا، من علاقتنا بالزمن والانتماء. حين نفقد القدرة على حفظ الطريق، نفقد معه جزءاً من شعورنا بالألفة مع المكان، ويتحوّل الحي الذي نسكنه، والمدينة التي نعيش فيها، إلى مجرد إحداثيات على خارطة، لا إلى ذكريات تُروى وتُتوارث.

لا أحد يدعو إلى التخلي عن هذه الوسائل التي سهّلت حياتنا، ولا إلى استبدال الخرائط الرقمية بخرائط ورقية بالية. لكن ما نحتاجه، في خضمّ هذا التسارع، هو أن نمنح أنفسنا لحظات نرفع فيها أعيننا عن الشاشة، نتأمل المكان الذي نسير فيه، نلاحظ تفصيلاً صغيراً يميّزه عن غيره، ونمنح ذاكرتنا فرصة لتحفظ ما تستحق الأمكنة أن تُحفظ به. فالمدن، كما الأحبة، تحتاج أن تُروى لا أن تُختزل، وتحتاج أن تُتذكَّر بالقلب لا أن تُستدعى بنقطة على خارطة. وربما، حين نتعلّم أن نوازن بين الدقة التي تمنحنا إياها التكنولوجيا ، والذاكرة التي كانت تمنحنا الانتماء، نكتشف أننا لا نبحث فقط عن طريق يقودنا إلى مكان، بل عن طريق يعيدنا إلى أنفسنا، إلى ذلك الإنسان الذي كان يعرف مدينته كما يعرف وجوه من يحب

مكة المكرمة