50 بالمئة من الحقيقة.. والوجوه ذاتها

50 بالمئة من الحقيقة.. والوجوه ذاتها
50 بالمئة من الحقيقة.. والوجوه ذاتها
كتبت :نورا المرشدي
في كل مرحلة من مراحل التحول السياسي أو الاجتماعي أو الإعلامي تتغير الشعارات وتتبدل العناوين لكن ثمة مشهدًا يكاد يبقى ثابتًا لا يتغير: الوجوه ذاتها التي تتصدر المنصات والحوارات والندوات والطاولات المستديرة.
خلال الآونة الأخيرة شهدنا عشرات اللقاءات التي رُفعت فيها شعارات دعم القطاع الإعلامي وتطويره وتمكينه. وهي أهداف لا يختلف عليها أحد بل تمثل ضرورة ملحة في ظل التحديات التي تواجه المؤسسات الإعلامية والعاملين فيها. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هل ما نراه يمثل الصورة الكاملة أم أننا أمام 50 بالمئة فقط من الحقيقة؟
فالمتابع للمشهد يلاحظ أن العديد من الشخصيات التي تتحدث اليوم عن الإصلاح والدعم والتطوير هي نفسها التي حضرت في مراحل سابقة تحت عناوين مختلفة. كانت تدعم هذا المشروع بالأمس ثم أصبحت تدعم مشروعًا آخر اليوم وربما ستنتقل غدًا إلى عنوان جديد. تتغير الأسماء وتتبدل الجهات وتُستبدل الشعارات لكن الوجوه تبقى حاضرة في كل المشاهد.

ولا يتعلق الأمر بالاعتراض على الخبرة أو التقليل من قيمة التجارب المتراكمة فهذه مطلوبة ومهمة. لكن الإشكالية تظهر عندما يتحول المشهد إلى دائرة مغلقة، تدور فيها الفرص والمناصب والحوارات بين الأشخاص أنفسهم، فيما تبقى الطاقات الجديدة والأصوات المختلفة خارج إطار المشاركة الحقيقية.
إن دعم الإعلام لا يقاس بعدد المؤتمرات ولا بحجم الصور التذكارية ولا بعدد الكلمات التي تُلقى على المنصات. الدعم الحقيقي يبدأ عندما يشعر الصحفي والإعلامي بوجود فرص عادلة، وبيئة مهنية مستقرة، وتشريعات تحمي عمله، ومؤسسات تستثمر في الكفاءات الجديدة بدل الاكتفاء بإعادة تدوير الأسماء ذاتها.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي مؤسسة أو قطاع هو الاكتفاء بإعادة إنتاج المشهد نفسه مع تغيير العناوين. فالتجديد لا يعني تبديل اللافتات، بل ضخ أفكار جديدة ورؤى مختلفة ووجوه قادرة على الإضافة. أما حين تبقى الطاولة نفسها والوجوه نفسها والخطاب نفسه، فإن التغيير يصبح شكليًا أكثر منه حقيقيًا. لذلك، فإن 50 بالمئة من الحقيقة قد تكون كافية لصناعة رأي عام مؤقت لكنها لا تكفي لصناعة مستقبل. والمستقبل لا يُبنى بتكرار المشهد ذاته، بل بفتح الأبواب أمام من لم تتح لهم الفرصة







