من اعلام العراق الدكتور كاظم المقدادي  

الرابط المختصرhttps://www.ashurnews.com/?p=61014

من اعلام العراق الدكتور كاظم المقدادي  

Linkedin
Google plus
whatsapp
18 يوليو , 2026 - 3:07 م

من اعلام العراق الدكتور كاظم المقدادي  

كتب :  قتيبة الحميد العزي‏ ‏على صفحته الشخصية  في زاوية من أعلام العراق عن الدكتور كاظم المقدادي  

من الذين اقترنت أسماؤهم بالصحافة والإعلام الأكاديمي، يتصدر اسم الدكتور كاظم شنون محمد المقدادي قائمة الرواد الذين جمعوا بين الفكر والممارسة، وبين البحث العلمي والعمل الصحفي، فأسهم في تأسيس وتطوير الدراسات الإعلامية، وأثرى المكتبة العربية بمؤلفات ودراسات أصبحت مراجع مهمة للباحثين، كما خرّج أجيالاً من الإعلاميين والأكاديميين الذين حملوا رسالته العلمية والمهنية. ولم يكن حضوره محصوراً في قاعات الجامعات أو صفحات الصحف، بل امتد إلى المحافل العربية والدولية، ليقدم صورة مشرقة عن الإعلامي العراقي المثقف، وليغدو اسمه واحداً من الأسماء التي تستحق أن تُسجل في سجل أعلام العراق الذين أسهموا في صناعة المعرفة وخدمة الثقافة والإعلام

د. كاظم المقدادي.. رائد الإعلام والصحافة الأكاديمية في العراق

يشكل الدكتور كاظم المقدادي واحداً من أبرز الأسماء التي أسهمت في ترسيخ الإعلام الأكاديمي في العراق، وترك بصمة واضحة في تاريخ الصحافة العراقية والعربية، من خلال مسيرة علمية ومهنية امتدت لأكثر من نصف قرن، جمع خلالها بين العمل الصحفي والبحث الأكاديمي والتدريس الجامعي والتأليف، ليصبح نموذجاً للمثقف الموسوعي الذي آمن بأن الإعلام رسالة معرفية قبل أن يكون مهنة، وأن الجامعة هي الحاضنة الحقيقية لبناء الأجيال وصناعة الوعي.

 ولد الدكتور المقدادي في بغداد سنة 1949 في محلة الرحمانية بمنطقة الجعيفر، ونشأ في العطيفية الأولى بجانب الكرخ، حيث تلقى تعليمه الأول، قبل أن يكمل دراسته الثانوية في الثانوية المركزية بجانب الرصافة. وقد ظهرت ميوله الصحفية مبكراً، فأنشأ النشرة الجدارية “الأنوار” في متوسطة العطيفية، ثم نشر أول موضوع صحفي له في جريدة “التآخي” العراقية عام 1967، لتكون تلك البداية باكورة مسيرة طويلة مع الكلمة والإعلام.

التحق بقسم الصحافة في كلية الآداب بجامعة بغداد، وحصل على شهادة البكالوريوس في الصحافة للعام الدراسي 1973-1974، ثم شد الرحال إلى فرنسا لاستكمال دراساته العليا في جامعة السوربون، فنال شهادة الكفاءة عام 1975، ثم درجة الماجستير عام 1977 عن رسالته الموسومة «الجانب السوسيولوجي من الإعلان السياحي»، قبل أن يحصل على درجة الدكتوراه عام 1979 عن أطروحته «التيارات الفكرية في الصحافة العربية المهاجرة – النصف الثاني من القرن التاسع عشر»، وهي دراسة علمية رائدة تناولت جذور الفكر الصحفي العربي في المهجر وتحولاته الفكرية.

ومنذ عودته إلى العراق، انطلقت مسيرته الأكاديمية التي اتسمت بالغنى والتنوع، إذ حاضر في مادة المحادثة بقسم اللغة الفرنسية في كلية اللغات بجامعة بغداد للفترة (1988-1990)، كما حاضر في مادة العلاقات العامة بقسم الفندقة والسياحة في الجامعة المستنصرية خلال المدة نفسها، ثم انتقل إلى جامعة البتراء الأردنية ليدرس العلاقات العامة بين عامي (1999-2001). وعمل مدرساً في قسم الصحافة بكلية الآداب في جامعة بغداد منذ عام 1990، حيث تولى تدريس مواد التحرير الصحفي، وتاريخ الصحافة العراقية، وقانون الإعلام، وأخلاقيات العمل الإعلامي، والعلاقات العامة، والإعلام الدولي. كما شغل منصب رئيس اللجنة العلمية في كلية الإعلام بجامعة بغداد عام 2011، ودرّس مناهج الاتصال في كلية الفارابي الأهلية للفترة (2014-2018)، وكان من مؤسسي كلية الفارابي الأهلية وقسم الإعلام فيها، فضلاً عن إشرافه على عشرات رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه، وإسهامه في إعداد أجيال من الإعلاميين والباحثين الذين أسهموا لاحقاً في تطوير المؤسسات الإعلامية والأكاديمية العراقية.

د. كاظم المقدادي

ولم يكن حضوره مقتصراً على قاعات الدراسة، بل امتد إلى ميادين الصحافة والعمل الإعلامي، فقد عمل سكرتيراً لجريدة “الصحافة” الجامعية في قسم الإعلام عام 1971، ثم أصبح رئيساً لتحريرها عام 2008، كما تولى رئاسة تحرير مجلة «رسالة بغداد» الصادرة باللغة الفرنسية في باريس للفترة (1982-1986)، وهي تجربة متميزة أسهمت في التعريف بالعراق ثقافياً وإعلامياً لدى القارئ الفرنسي، كما شغل منصب رئيس تحرير وصاحب امتياز جريدة «الكاروك» الساخرة للفترة (2007-2009)، ورئاسة تحرير مجلة «معين» للدراسات المستقبلية بين عامي (2012-2016). وإلى جانب ذلك، قدم برامج إعلامية عدة، من بينها «صاحب الامتياز» عام 2009، و**«المنجز»** عام 2013، و**«الرازونة»** عام 2015، فضلاً عن كتاباته المنتظمة في الصحف العراقية والعربية، ومشاركاته المستمرة في البرامج الحوارية والثقافية والسياسية التي بثتها القنوات الفضائية المحلية والعربية والدولية.

وتعززت مكانته المهنية من خلال عضويته في عدد من المؤسسات الإعلامية والعلمية، إذ أصبح عضواً في جمعية الصحفيين الأجانب في باريس، وعضواً في نقابة الصحفيين العراقيين منذ عام 1974، وعضواً في اتحاد الصحفيين العرب منذ عام 1984، كما انضم إلى رابطة الاتصال والبحث العلمي في بيروت عام 2020، واختير ممثلاً للجنة الحوار العربي الأوروبي في إسطنبول عام 2017، وهي مواقع أكدت حضوره الفاعل في المحافل الإعلامية والثقافية العربية والدولية.

وإلى جانب نشاطه المهني والأكاديمي، ترك الدكتور المقدادي إرثاً علمياً وفكرياً مهماً تمثل في عدد كبير من المؤلفات التي تناولت الإعلام والاتصال والصحافة وقضايا الفكر والثقافة، ومن أبرزها: «أوراق باريسية» (دار العالم العربي – باريس، 1983)، و**«البحث عن حرية التعبير»** (باريس، 1984)، و**«إشكالية الإعلام العربي في أوروبا»** (دار الشؤون الثقافية – بغداد، 1986)، و**«التيارات السياسية في الصحافة العراقية»** (1998)، و**«مقالات مفخخة»** (2006)، و**«ديمقراطية الفرجة»** (2008)، و**«الصحافة الاستقصائية»** بالمشاركة مع الدكتور فراس الياس (2012)، و**«تصدع السلطة الرابعة»** (عمّان، 2013)، و**«جدل الاتصال.. استقراء الزمن الحقيقي»** الذي صدر في بغداد عام 2020، ثم أعيد طبعه في دار روافد المصرية عام 2022، ودار خواطر في إسطنبول عام 2023، إضافة إلى كتاب «السلطانة إسطنبول» الصادر عن دار گلگامش ودار الشؤون الثقافية عام 2023، ثم «الكتابة على جذع نخلة» (2024)، و**«حفريات بقلم الرصاص»** (2025)، و**«تجربتي بأقلام الآخرين»** (2026)، كما صدرت عنه دراسة تحليلية بعنوان «روح المقالة» عام 2026 تناولت تجربته الصحفية والفكرية بالدراسة والتحليل.

وقد حظي هذا العطاء العلمي والإعلامي بتقدير واسع، إذ نال شهادة تقديرية ودرع أفضل شخصية إعلامية وأكاديمية من مؤسسة عيون عام 2012، إلى جانب عشرات الدروع من الجامعات الرسمية والأهلية العراقية، والمئات من كتب الشكر وشهادات التقدير والأوسمة التي كرّمت جهوده في خدمة الإعلام والتعليم العالي. كما يتمتع بعلاقات ثقافية وعلمية واسعة مع شخصيات ومؤسسات عربية وأجنبية، ويتقن اللغتين الفرنسية والإنجليزية، وكانت له لقاءات وحوارات مع شخصيات فكرية وسياسية بارزة، من بينها الرئيس الفرنسي جاك شيراك، والمفكر الفرنسي روجيه غارودي، والمفكر العربي محمد أركون، الأمر الذي أسهم في توسيع آفاق الحوار الثقافي والإعلامي بين العراق والعالم.

وإذا كان لكل مرحلة من مراحل الإعلام العراقي روادها الذين أسهموا في تأسيسها وتطويرها، فإن الدكتور كاظم المقدادي يمثل واحداً من أبرز هؤلاء الرواد، بما قدمه من نتاج علمي ومهني، وبما تركه من أثر في المؤسسات الأكاديمية والصحفية، وبما خرّجه من أجيال حملت رسالته في الدفاع عن الإعلام المهني الرصين والبحث العلمي الجاد. وستبقى سيرته واحدة من الصفحات المضيئة في تاريخ الإعلام العراقي، وشاهداً على تجربة استثنائية جمعت بين المعرفة والإبداع والالتزام، وأسهمت في بناء مدرسة أكاديمية وإعلامية ما زالت آثارها حاضرة في الجامعات والمؤسسات الإعلامية داخل العراق وخارجه.

مكة المكرمة