العلاقات الأمريكية العراقية .. ومصاعب فك الإشباك بين الولايات المتحدة وإيران

العلاقات الأمريكية العراقية .. ومصاعب فك الإشباك بين الولايات المتحدة وإيران
العلاقات الأمريكية العراقية .. ومصاعب فك الإشباك بين الولايات المتحدة وإيران
كتب: حامد شهاب / باحث إعلامي
مايزال المتابعون للشأن العراقي يتناولون موضوعة العلاقات الأمريكية العراقية من جانب الإحتمالات والتوقعات التي لاتقترب الكثير منها من أرض الواقع ، بسبب التعقيدات الكثيرة والمتشابكة التي يعاني منها العراق في علاقاته مع كل من إيران والولايات المتحدة.
ومن المعروف لدى كثير من المتابعين للشأن العراقي أن الوضع في العراق فقد القدرة على معادلة ( فك الإشتباك ) بين الولايات المتحدة وإيران بعد أن تدخلت إيران في كل جزء ومكان من أرض العراق وفي كل وزاراته وهياكله وهيئاته المتفرعة عنها ، ولديها أذرع موزعة في كل مكان داخل تلك الوزارات وقواه الأمنية والعسكرية والإقتصادية ومؤسساته الدينية والإعلامية والثقافية وتعد نفسها هي المسؤولة الأولى في الدفاع عن النظام السياسي في العراق وأبعدت الجيش وبقية التشكيلات الأمنية عن واجهة الدور والمكانة وتجذرت العلاقات مع إيران الى الحد الذي لايوجد أي مكان لفك هذا الإشتباك المعقد عبر سنوات من الهيمنة الكاملة على كل مقدرات العراق منذ عام 2003 وحتى الآن.
بل أنه لم يعد لساسة البلد مكان من الإعراب في رسم معالم سياسة عراقية تستطيع أن تدير شؤون بلدهم بلا تدخلات وأضحى التدخل الخارجي في الشأن العراقي هو العامل الأكثر تأثيرا في رسم معالم تلك السياسة شئنا أم أبينا.
ونحن نتابع تطورات العلاقات الأمريكية العراقية منذ السبعينات حتى الآن ولم تكن تمر بمراحل تدهور وإضطراب قبل عقود بمثل ما تمر به منذ أكثر من عشرين عاما وقد عانت من حالات إحتراب وتنافر وتناقض في الرؤى والتوجهات والأهداف وسعت إيران لإتخاذ العراق الخندق القتالي وخط الصد الاول في مواجهة أي طرف يقف بالضد من أهدفها المعلنة في الهيمنة الكاملة على مقدرات العراق.
ومن المعروف ان تلك العلاقات لم تكن منذ عام 2005 وحتى الان قد عاشت أيا من أيامها التي كان الأمريكيون أو حتى العراقيين يتمنونها وما يزال التدهور المتسارع والتنافر هو الفيصل الحاكم في مسارات تلك العلاقات.
بل أن عهد السبعينات وحتى الثمانينات كانت قد عاشت العلاقات الامريكية العراقية فترات من الإنتعاش الى حد ما وكان هناك نوع من العلاقات ما يشكل حالة رضى مقبول من كلا الطرفين على الأقل وكان ينظر الى مستويات التعاون أنذاك بأنها كانت قد سجلت تطورات مهمة برغم كل حالات التآمر والتشكيك التي تحرك بها كبار المسؤولون الأمريكان من أجل أن تكون هناك مجالات لإستهداف مقدرات هذا البلد وعرقلة مسارات تقدمه ونهوضه بأية طريقة ممكنة .
وبعد عام 2003 وفترة الإحتلال الأمريكي للعراق والذي أطلق عليه بعض الساسة العراقيين (تحريرا) فإذا بالأحوال تنقلب رأسا على عقب وتحول الحاكم الأمريكي في عهد بريمر الى الحاكم بأمر الله والى كابوس ارعب العراقيين وأدى الى تفكيك دولتهم بالكامل وتحويها الى أنقاض خربة .
وإنتظر العراقيون سنوات بعد الإحتلال عله يكون هناك قدر من مسارات التقدم في مسارات العلاقات الأمريكية العراقية بإتجاه تطوير تلك العلاقات إقتصاديا وتجاريا وسياسيا وثقافيا، إلا أن مسار تلك العلاقات بقيت مضطربة على أكثر من صعيد.
لقد ترك الأمريكان لإيران أن تتدخل في العراق وتستبيحه على هواها وهم من شجعوها على ذلك بعد أن شعروا أنهم تعبوا من تلك الحرب التي شنوها ضد العراق وشعبه وقد عادت عليهم بالويل والثبور وقدموا تضحيات عسكرية ومالية كبيرة ماكانت هناك ضرورة لتقديمها كونها لم يجني منها العراقيون الا ضياع مستقبل شعبهم وتحول العراق الى مركز إصطراع أقليمي ودولي لكل من هب ودب وكان لإيران القدح المعلى من حصة إستباحة البلد وبتشجيع من الأمريكيين أنفسهم حيث كان الامريكان يأملون أن تخفف عنهم إيران تبعات حربهم الثقيلة بعد أن أثبتوا فشلا ذريعا في السيطرة على مقدرات العراق في سنوات الإحتلال الأولى.
ولكن في السنوات الاخيرة وكما يبدو فقد حدث ما يشبه تسميته بـ (الصحوة الأمريكية) أزاء هذا التغلغل الإيراني الواسع في كل شؤون العراق بل وفي المنطقة بأسرها حيث إمتد التوغل الإيراني في دول أخرى مثل اليمن وسوريا ولبنان وحتى دول الخليج التي عانت كثيرا هي الأخرى من تدخلات إيران في شؤونهم الداخلية وكانت الحرب الأمريكية على إيران قد عادت على دول الخليج بالأسى والمرارة بعد أن تكبدت خسائر فادحة .
والحرب التي أعلنها ترامب على إيران كانت محاولة لإزاحة إيران من العراق لكن تلك المحاولة قابلتها إيران بمتاريس وصواريخ وطائرات مسيرة وتهديدات عسكرية أوقفت خطة ترامب وعانت من عدم قدرة الإدارة الأمريكية على حسم هذا الصراع لصالحهم إن لم يكن قد إنقلب عليهم وبالا وبقيت إيران تهدد وتتوعد ومارست عمليات تضليل وخداع ومناورات خلال فترة المفاوضات التي إستمرت لأشهر مع الأمريكان دون أن تحقق تقدما يذكر بإتجاه وضع حد للتدخل الإيراني في شؤون العراق.
ربما كان النجاح الوحيد الذي حققه الامريكان هو في طرد الإيرانيين من سوريا كليا وجاءوا بنظام جديد أخرج هذا البلد من الظلمات الى النور لكن الفضل الأكبر ليس للأمريكان ولكن للرئيس التركي أردوغان الذي كان له التخطيط الأمثل في إدارة تلك الحرب بدعم من قطر والعمل على إقصاء إيران كليا من الساحة السورية.
ولم يتبق أمام إيران سوى العراق الذي راحت إيران تستقتل وتستميت من أجل الإمساك به بأسنانها حد الموت ووجدت في الجماعات الموالية لها ما يحقق لها تلك الاهداف وهي التي ستقاتل من أجل العراق حتى النزع الأخير كما يقال بعد إن فقدت إيران ساحات مهمة مثل سوريا وبعض الشيء في لبنان وحتى في اليمن لم يكن حالها يسر، بل أنها شهدت مراحل تراجع إقليمي لم يسبق له مثيل.
ومن الملاحظ أن سياسات حرب ترامب شهدت حالات تراخي وتحديد أهداف من قبل ترامب نفسه وهي تشهد بين حين وآخر متغيرات تراجعية كثيرة وتناقضات في التصريحات تنقلب بين ليلة وأخرى ومن ثم يعود التهديد مجددا ضد إيران ومن ثم يسوق بعدها ترامب معلومات عن نجاح المفاوضات التي إستمرت لأشهر دون ان تحقق تلك المفوضات طوال مساراتها أي نجاح يذكر.
لكن هناك حقيقة يعرفها العراقيون في نهاية المطاف أن حلم الأمريكان بإبعاد الجماعات المسلحة التابعة لإيران من ساحة التأثير العراقية هو حلم يبدو وكأنه بعيد المنال لأن الطريقة التي تعامل بها الأمريكان معهم لم تكن شديدة الوطأة ولم يضع المسؤولون الامريكيون خطة ناجعة يمكن ان يضمنوا بها نجاح أهدافهم في إزاحة تلك الجماعات بعد أن توغلت في الجسد العراقي الى مرحلة ( التوأمة) إن صح التعبير وهذا التداخل بينها وبين ساسة البلد وجماعاته المسلحة وكونها هي المدافعة عنهم وعن وجودهم فمن المستحيل أن يضمن الأمريكان القدرة على الـتاثير المطلوب وستصبح عملية إزاحتهم معقدة للغاية وسترافقها عمليات تضليل وخداع ومراوغة وفقا للطريقة الإيرانية لهذا فإن إنتهاء دورها ليس بالأمر السهل والهين وربما يحتاج الأمريكيون الى سنوات من العمل السياسي والعسكري والأمني المضني لتحقيق بعض أحلامهم في أن يكون بمقدورهم بسط نفوذهم في هذا البلد .
والخلاصة التي يمكن تأشيرها هنا هي أن العلاقات الامريكية العراقية ستبقى تشهد حالات من التشكيك وعدم المصداقية وربما التضليل والخداع وبخاصة من جماعة الاطار المساندين للتوجهات الايرانية وتبقى العلاقات الامريكية العراقية تعيش حالات توتر واصطراع ما دامت إيران إتخذت من العراق ساحة إنطلاق خلفية للمواجهة المستمرة مع الأمريكان ، حيث تعد العراق مركز إنطلاقتها نحو المواجهة مع الأمريكان كونها تعده خط الصد الاول عن إيران وخلافا لرغبة الشعب العراقي وفشلت الولايات المتحدة في تحقيق حلمها وحلم إسرائيل بشرق أوسط جديد كما كان يخطط ساستها ومهما حاول الأمريكان إستقدام شخصيات سياسية لتحكم العراق فليس أمام من يحكم إلا أن يحاول قدر الإمكان ممارسة سياسة التوازن في العلاقات مع البلدين كون أي حاكم يعرف مقدما أن مطالب الامريكان تعجيزية ولايمكن تحقيقها بأي حال من الأحوال.







