بعد الإدانة القضائية.. لماذا واصلت بعض الصحف الفرنسية الدفاع عن مسؤولة الاتصال القطرية؟

بعد الإدانة القضائية.. لماذا واصلت بعض الصحف الفرنسية الدفاع عن مسؤولة الاتصال القطرية؟
/آشور- باريس – عندما تصدر محكمة فرنسية حكماً في قضية مالية، يُفترض أن تنتهي الروايات المتضاربة عند حدود الوقائع التي يثبتها القضاء. غير أن قضية سهام سويد، مسؤولة الاتصال القطرية في فرنسا، سلكت مساراً مختلفاً؛ إذ استمرت بعض وسائل الإعلام الفرنسية في تقديمها باعتبارها ضحية “استهداف سياسي”، حتى بعد صدور حكم بالإدانة وقبولها العقوبة المقترحة من النيابة العامة.
هذا التباين بين ما انتهى إليه القضاء وما استمرت بعض المنابر الإعلامية في الترويج له يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول طبيعة العلاقة بين الإعلام وشبكات الضغط، وكيف يمكن أن تتحول قضية جنائية إلى ساحة للصراع الجيوسياسي بين دول الخليج.
بدأت القضية في ديسمبر/كانون الأول 2025، عندما فتحت النيابة العامة في مدينة إيفري تحقيقاً أولياً عقب بلاغ من وحدة تراكفين (Tracfin)، جهاز الاستخبارات المالية الفرنسي المختص بمكافحة غسل الأموال. وتمحور التحقيق حول شبهات باستخدام أموال شركة ELN Group، التي تديرها سهام سويد، في تغطية مصاريف شخصية، إضافة إلى شبهات بإخفاء عائدات مالية غير مشروعة.
وفي إطار التحقيق، نفذ المحققون عمليات تفتيش لمنزل سويد ومنزل ابنتها، قبل أن تتطور القضية لاحقاً إلى إجراءات قضائية انتهت بإدانتها.
لكن، وبينما كانت التحقيقات تسير في مسارها القانوني، اختارت عدة وسائل إعلام فرنسية قراءة الملف من زاوية مختلفة. فقد نشرت صحيفة لوموند في يناير/كانون الثاني 2026 تقريراً ربط القضية بالتوترات بين قطر والإمارات، وأفردت مساحة واسعة لرواية سويد التي اعتبرت أن ما تواجهه ليس قضية مالية، بل نتيجة حملة تقودها أبوظبي ضد المصالح القطرية.
ولم تقتصر هذه المقاربة على لوموند، إذ ذهبت مجلة لو بوان إلى تقديم القضية باعتبارها دليلاً على تعرض سويد وعائلتها وشركتها لما وصفته بحملة تستهدف في جوهرها دولة قطر، بينما تحدثت لا تريبيون عن نفوذ إماراتي داخل شبكات مالية وقضائية، في حين نشر موقع Mondafrique عدة مقالات دافعت عن سويد وقدمتها بوصفها شخصية تحظى باحترام واسع في الأوساط السياسية والإعلامية الفرنسية.

إلا أن هذه التغطيات اشتركت في نقطة أساسية؛ فهي لم تقدم أدلة منشورة تثبت وجود تدخل إماراتي في عمل القضاء الفرنسي أو في قرارات وحدة تراكفين، بل اعتمدت بصورة رئيسية على رواية صاحبة القضية ومن يدافع عنها.
وفي يونيو/حزيران 2026، حسم القضاء الملف. فقد وافقت سهام سويد، في إطار إجراء الاعتراف المسبق بالذنب، على العقوبة المقترحة من النيابة العامة، وصدر بحقها حكم بالسجن عشرة أشهر مع وقف التنفيذ، فيما حُكم على زوجها بثمانية أشهر مع وقف التنفيذ.
كما تضمن الحكم غرامة مالية قدرها ثلاثون ألف يورو، والحرمان من حق الترشح للانتخابات لمدة ثلاثين شهراً، إلى جانب مصادرة حسابات مصرفية وأموال نقدية تقارب 148 ألف يورو، فضلاً عن مصادرة مجوهرات.
ورغم صدور هذا الحكم، لم ينعكس ذلك بصورة واضحة على الخطاب الذي تبنته بعض وسائل الإعلام في الأشهر السابقة. فقد اكتفت بعض المنابر بالإشارة إلى الحكم دون مراجعة فرضية “الاستهداف السياسي”، بينما فضلت أخرى التقليل من أهمية الإدانة، واعتبار العقوبة مجرد غرامة محدودة لا تستدعي الضجة التي أثيرت حولها.
وفي السياق نفسه، وصف الباحث سيباستيان بوسوا القضية بأنها لا تستحق كل هذا الاهتمام، معيداً التأكيد على فرضية وجود محاولات إماراتية للتأثير في دوائر القرار الأوروبية، في حين عاد موقع Mondafrique لنشر مقال جديد اعتبر أن البلاغ ضد سويد لم يحقق النتائج التي روج لها منتقدوها، وواصل انتقاد السياسة الإماراتية في فرنسا.
وتتجاوز أهمية هذه القضية شخص سهام سويد أو الحكم الصادر بحقها، لتطرح سؤالاً أوسع حول الطريقة التي تتعامل بها بعض وسائل الإعلام مع القضايا ذات البعد الدولي. فحين تُستبدل الوقائع القضائية المؤكدة بتفسيرات سياسية غير مدعومة بأدلة معلنة، يصبح من المشروع التساؤل عن الحدود الفاصلة بين العمل الصحفي، والدفاع عن الروايات السياسية، والتأثير الذي قد تمارسه شبكات الضغط في تشكيل النقاش العام.
وفي النهاية، تبقى حقيقة واحدة غير قابلة للجدل: القضاء الفرنسي أنهى الملف بحكم قضائي استند إلى اعتراف المتهمة، بينما استمرت بعض التغطيات الإعلامية في تفسير القضية ضمن إطار الصراع الإقليمي، وهو ما يجعلها نموذجاً لافتاً لكيفية تحول الملفات القضائية إلى ساحات مواجهة إعلامية وسياسية تتجاوز الوقائع التي انتهت إليها المحاكم.







