استراتيجية البنية التحتية: خطوات عملية نحو كوردستان أقوى

الرابط المختصرhttps://www.ashurnews.com/?p=60950

استراتيجية البنية التحتية: خطوات عملية نحو كوردستان أقوى

Linkedin
Google plus
whatsapp
11 يوليو , 2026 - 1:49 م

استراتيجية البنية التحتية: خطوات عملية نحو كوردستان أقوى

كتب: عبدالحميد زيباري

حين تسلّمت التشكيلة الوزارية التاسعة لحكومة إقليم كوردستان مهامها في عام 2019 برئاسة رئيس الوزراء مسرور بارزاني، لم يكن المشهد التخطيطي يقتصر على إدارة الملفات اليومية المعتادة، بل كان يتطلب صياغة رؤية طويلة المدى لإعادة بناء البنية التحتية وهيكلة الإدارة العامة. ولم يكد الإقليم يشرع في تنفيذ خطواته الأولى حتى اصطدم بسلسلة من الأزمات المركبة التي عصفت بالعالم والمنطقة؛ بدءاً من الشلل الاقتصادي الذي تسببت فيه جائحة كورونا، ومروراً بالانخفاض الحاد والمفاجئ في أسعار النفط العالمية، وصولاً إلى الضغوط السياسية والمالية المعقدة داخلياً وإقليمياً.

أمام هذه التحديات، اعتمدت التشكيلة الحكومية مساراً ركز على الاستثمار في أصول الدولة الأساسية: المياه، والغذاء، والطاقة، والتنظيم الإداري. واليوم، تكشف البيانات الرسمية الصادرة عن دائرة الإعلام والمعلومات في حكومة اقليم كوردستان، عن حصيلة سبع سنوات من العمل المنهجي الهادف إلى تقليل الاعتماد على الاقتصاد الريعي والانتقال نحو مؤسسات مستدامة مدعومة بالتقنيات الحديثة.

في زمن يفرض فيه التغير المناخي شروطه الصعبة على منطقة الشرق الأوسط، يغدو تأمين مصادر المياه والغذاء بمثابة خط الدفاع الأول عن استقرار المجتمعات.

ولم تكن معالجة شح المياه في كوردستان مجرد استجابة مؤقتة، بل جاءت عبر خطة هندسية واسعة النطاق أثمرت عن تشييد 9 سدود حيوية بتكلفة بلغت 265.7 مليار دينار، لترفع القدرة التخزينية للإقليم بمقدار 252.8 مليون متر مكعب. سدود مثل “كومسبان” و”دوین” لم تعد مجرد كتل خرسانية، بل باتت بحيرات اصطناعية تسهم في تغذية المياه الجوفية، ودعم المزارعين، والحد من مخاطر الفيضانات الموسمية. وتكاملت هذه الجهود مع إنشاء 30 بركة مائية (بوند)، بينما يتواصل العمل لتشييد 57 بركة إضافية بهدف الحفاظ على كل قطرة ماء ممكنة.

على التوازي مع الأمن المائي، تطلب الأمن الغذائي صياغة سياسة زراعية تضمن حماية المنتج المحلي واستيعاب محاصيل المزارعين وتطوير قدراتهم التنافسية. تجلى ذلك بوضوح في إنشاء أربعة سايلوهات كبرى بسعة تخزينية بلغت 160 ألف طن في قوشتبة، وكلار، وروفيا، وحلبجة بتكلفة إجمالية بلغت 90 مليار دينار، مع التخطيط لتوسيع هذه الشبكة في مناطق أخرى.

ولم تقف العجلة عند التخزين، بل امتدت لدعم الصادرات؛ حيث شهدت هذه الأعوام قفزة نوعية تمثلت في تصدير الفائض من المنتجات الزراعية الكوردستانية كالرمان، والعسل، والتفاح إلى الأسواق الإقليمية والخليجيةواوربا وصولا الى امريكا، للمرة الأولى في تاريخ الإقليم، بالتزامن مع ارتفاع مساهمة الاستثمار الزراعي في الناتج المحلي من 1.8% عام 2018 إلى 12% عام 2025.

ربما تكون التغييرات الملموسة في الطرق والسدود أكثر وضوحاً للعين المجردة، لكن الإصلاح الأعمق والأكثر تأثيراً في هيكلية الدولة جرى خلف مكاتب الإدارة العامة وأروقتها. فقد خاض الإقليم معركة منظمة ضد البيروقراطية والهدر المالي عبر تبني استراتيجية التحول الرقمي.

في صدارة هذا التحول، برز مشروع “حسابي” (هەژماری من)، الذي نجح في تسجيل وتوطين رواتب أكثر من 950 ألف موظف ومتقاعد في النظام المصرفي المعتمد.

لم يكن هذا المشروع مجرد وسيلة تقنية لصرف المرتبات، بل كان بوابة لإدخال فئات واسعة من المجتمع في المنظومة المالية الحديثة، وتسهيل حصولهم على القروض والخدمات البنكية، مدعوماً بنصب أكثر من 638 جهاز صراف آلي وتوزيع 895 ألف بطاقة مصرفية.

ولم تتوقف الرقمنة عند القطاع المصرفي؛ بل جرى إطلاق وتفعيل أكثر من 29 نظاماً رقمياً موحداً لتبسيط حياة المواطنين والحد من الروتين الجمركي والإداري. مثل أنظمة للهوية الرقمية، ومنصات الدفع الإلكتروني، ونظام إدارة مالية كوردستان، أسهمت في ضبط الإنفاق العام، وحماية الخزينة العامة، وترسيخ الشفافية.

ورافقت هذه الرقمنة إجراءات تدقيق صارمة أدت إلى تصحيح المسار الوظيفي، حيث تم قطع 4,189 راتباً مزدوجاً غير قانوني، ومراجعة ملفات آلاف الموظفين المدنيين والعسكريين والدرجات الخاصة، واسترداد 2.130 تريليون دينار من القروض والتسهيلات المصرفية غير المسددة سابقاً.

عانى قطاع الطاقة تاريخياً من فجوات هيكلية في التوزيع والإنتاج، وهو ما دفع الحكومة إلى اتخاذ قرارات حاسمة لرفع الكفاءة الإنتاجية بالاعتماد بشكل أساسي على الغاز الطبيعي النظيف كمصدر لـ 83% من الطاقة المتولدة. ونتيجة لهذه السياسة، ارتفع إنتاج الكهرباء الإجمالي من 2,360 ميغاواط في عام 2019 إلى 4,334 ميغاواط في عام 2026، بزيادة بلغت 1,974 ميغاواط.

ولكن الإنجاز الحقيقي تمثّل في إعادة صياغة تجربة المواطن مع خدمة الكهرباء عبر مشروع “روناهي – الانارة”، الذي يستهدف تزويد المشتركين بالطاقة المستمرة على مدار 24 ساعة. وبنسبة تغطية بلغت 90% في المناطق المشمولة بالمشروع، يستفيد حالياً أكثر من 5.4 مليون مواطن و1.2 مليون منزل من هذه الخدمة المستقرة، مما مكّن البيئة المحلية من الاستغناء عن أعباء وانبعاثات أكثر من 6,000 مولدة أهلية.

وتوازت هذه النهضة الخدمية مع تطوير البنية التحتية للنقل؛ إذ جرى تنفيذ 1,271 مشروعاً للطرق والجسور بطول إجمالي قارب 5,940 كم وبتكلفة تخطت 5 تريليونات دينار.

 هذه الشبكة الحديثة لم تهدف فقط إلى تيسير تنقل المواطنين والحد من الحوادث المرورية، بل مثلت شرياناً تجارياً حيوياً يربط أقضية ونواحي الإقليم بالمراكز الحضرية وبالمنافذ الحدودية للدول المجاورة، وهو ما عزز للامركزية الإدارية من خلال إعلان إدارات مستقلة جديدة في سوران وزاخو تيسيراً لمعاملات السكان وتخفيفاً عن كاهل العاصمة أربيل.

لا تكتمل التنمية الاقتصادية دون الالتفات إلى الجانب البشري والاجتماعي. وفي هذا الإطار، سارت كوردستان بخطوات متزنة نحو تعزيز خدمات التعليم والصحة والتمكين المجتمعي، وتم تشييد 273 مدرسة جديدة وتأهيل وترميم 3,000 مدرسة قائمة، فضلاً عن تقديم إعفاءات وتسهيلات مالية واسعة لأجور الدراسة الجامعية لشرائح مختلفة، لا سيما عوائل الشهداء والبيشمركة والطلبة المتفوقين.

كما شهد القطاع الصحي إدخال 79 مستشفى عاماً وتخصصياً حيز الخدمة، وتأسيس 8 مراكز ومستشفيات لعلاج الأورام السرطانية، إلى جانب تطبيق نظام لاصق الضمان الدوائي (الستيكر) لحماية المستهلكين وتنظيم سوق الأدوية وضبط جودتها.

بالاضافة الى هذا، عملت الحكومة على توفير عقود عمل وتثبيت لـ 42,037 تدريسياً ومحاضراً، وتوظيف آلاف الخريجين والأطباء، إلى جانب شمول وتخصيص رواتب رعاية اجتماعية جديدة لـ 19,918 من ذوي الاحتياجات الخاصة.

وفي المجال البيئي، ارتفعت نسبة المساحات الخضراء في الإقليم من 15% عام 2018 إلى 20% عام 2026، مدعومة بمشاريع حيوية كمشروع الحزام الأخضر لمدينة أربيل؛ وهو حزام دائري استراتيجي بعرض كيلومترين يستهدف زراعة ملايين الأشجار المقاومة للجفاف للإسهام الفعلي في تلطيف الأجواء ومكافحة التصحر وتحسين جودة الحياة الحضرية.

إن القراءة المتأنية لمخرجات الأعوام السبعة الماضية توضح أن إقليم كوردستان اختار مساراً يوازن بين بناء الأصول الاستراتيجية الملموسة وإعادة هيكلة الإدارة الحكومية رقمياً ومالياً. ورغم أن الطريق نحو تحقيق التنمية الشاملة والكاملة لا يزال يتطلب المزيد من العمل والجهد المشترك لتجاوز التحديات المتبقية، إلا أن هذه التشكيلة الوزارية نجحت في وضع لبنات هيكلية صلبة تؤسس لمستقبل أكثر استقراراً واعتماداً على الذات، لتظل تجربة الإقليم نموذجاً يثبت أن التخطيط المنظم والتحول المؤسساتي هو السبيل الأضمن لتجاوز الأزمات والعبور نحو الاستدامة

مكة المكرمة