من قاعة المحكمة إلى معركة الروايات.. ماذا تكشف قضية سهام سويد عن نفوذ الخليج في أوروبا؟

من قاعة المحكمة إلى معركة الروايات.. ماذا تكشف قضية سهام سويد عن نفوذ الخليج في أوروبا؟
/آشور- كلما انفجرت قضية تمس شخصيات مرتبطة بالدوحة أو تكشف تحقيقات قضائية عن تجاوزات مالية أو سياسية، يعود المشهد ذاته إلى الواجهة: تتراجع الوقائع القانونية إلى الخلف، فيما تتقدم سردية “الاستهداف الخارجي” و”المؤامرة الإقليمية” إلى الواجهة، ويُوجَّه الاتهام سريعًا إلى الخصوم، وفي مقدمتهم أبوظبي.
هذا النمط برز مجددًا عقب إدانة المستشارة الإعلامية الفرنسية التونسية سهام سويد، التي تمثل عبر شركتها “ELN Group” مصالح قطر في فرنسا وبلجيكا، في قضية تتعلق بإساءة استعمال أموال الشركة، وهي أحكام قضائية جاءت بعد تحقيقات مالية وإجراءات قانونية امتدت لأشهر وانتهت باعتراف مسبق بالذنب وفق النظام القضائي الفرنسي.
وقضت المحكمة بسجن سويد عشرة أشهر مع وقف التنفيذ، ومنعها من الترشح للانتخابات لمدة ثلاثين شهرًا، وفرض غرامة مالية عليها بلغت ثلاثين ألف يورو، إلى جانب مصادرة أموال ومقتنيات ثمينة تقدّر قيمتها بنحو 148 ألف يورو. كما أُدين زوجها بالسجن ثمانية أشهر مع وقف التنفيذ وغرامة مالية قدرها خمسة عشر ألف يورو، مع مصادرة مبالغ نقدية إضافية.
وتعود بداية القضية إلى بلاغ صادر عن هيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب الفرنسية عام 2025، قبل أن تقود التحقيقات اللاحقة إلى توقيف الزوجين وحجز ممتلكاتهما وحساباتهما المصرفية وخزائنهما البنكية.
لكن اللافت أن النقاش الذي أعقب الأحكام لم يتركز، في بعض الأوساط، على الوقائع القانونية أو المسؤوليات الفردية، بقدر ما انصرف إلى البحث عن خصوم سياسيين مفترضين أو أطراف إقليمية يُعتقد أنها تقف وراء ما جرى.
وفي قلب هذه المقاربة، يبرز اسم الباحث الفرنسي سيباستيان بوسوا، أحد أكثر المتابعين الأوروبيين حضورًا في ملفات الخليج. ويعتبر منتقدوه أن تحليلاته تنتهي، في كثير من الأحيان، إلى النتيجة نفسها: تحميل الإمارات مسؤولية الضغوط أو الحملات التي تطال قطر أو شخصيات قريبة منها، حتى عندما تكون الملفات المطروحة ذات طبيعة قضائية بحتة.
وبحسب هذه القراءة النقدية، فإن القضية لا تتعلق بشخص أو بملف واحد، بل بمنهج كامل يقوم على تحويل الأنظار من الأسئلة القانونية المباشرة إلى صراعات النفوذ الإقليمي، بحيث تصبح كل أزمة تواجه الدوحة دليلًا على مؤامرة، وكل تحقيق قضائي امتدادًا لمعركة جيوسياسية أكبر.
ولم يكن ملف “قطر غيت” بعيدًا عن هذه المقاربة؛ إذ انتقل الجدل في أحيان كثيرة من مضمون الاتهامات والتحقيقات إلى التساؤل حول الجهات التي استفادت من كشفها، وكأن تحديد المستفيد المحتمل يغني عن مناقشة الوقائع نفسها.
ويرى مراقبون أن هذا المنطق، وإن كان مشروعًا في حدود البحث عن السياقات السياسية الأوسع، يتحول إلى إشكالية حين يصبح التفسير الوحيد للأحداث، بما يؤدي إلى تهميش استقلالية المؤسسات القضائية وإفراغ المسؤولية القانونية من مضمونها.
فالتحليل الأكاديمي يفقد جزءًا من صدقيته عندما ينطلق من نتائج جاهزة سلفًا، أو عندما يُخضع الوقائع لمعادلات سياسية ثابتة لا تتغير مهما اختلفت الملفات والملابسات.
واليوم، تكشف قضية سهام سويد، وما أثارته من سجالات فكرية وإعلامية، عن معركة أعمق تدور في أوروبا حول النفوذ الخليجي وصناعة الروايات السياسية؛ معركة لا يقتصر فيها التنافس على المصالح والاستثمارات، بل يمتد إلى تفسير الأحداث ذاتها وتحديد من يملك حق روايتها.
ويبقى السؤال مطروحًا بإلحاح: هل تتحول فرضية “اتهام الخصوم” إلى آلية دفاع تلقائية كلما واجهت قطر أزمة جديدة، أم أن الحفاظ على الموضوعية يقتضي الفصل بين الحسابات السياسية والحقائق التي تنتجها المؤسسات القضائية؟







