على هامش مهرجان خيمة الإبداع العربي.. أمجد توفيق… روائي يكتب تحولات العراق بلغة الإنسان

على هامش مهرجان خيمة الإبداع العربي.. أمجد توفيق… روائي يكتب تحولات العراق بلغة الإنسان
حمدي العطار / كاتب وناقد
/آشور- ضمن الشخصيات الإبداعية التي التقيتها في مهرجان الإبداع العربي في دورته الرابعة في اذربيجان، استوقفني الروائي والقاص العراقي أمجد توفيق، بوصفه أحد أبرز الأصوات السردية التي استطاعت أن تؤسس مشروعا روائيا متماسكا، يجمع بين القيمة الفنية والوعي بالتاريخ ويجعل من الرواية وثيقة إنسانية لتحولات العراق المعاصر.
لقد تابعت هذا المشروع منذ سنوات، وكتبت دراسات نقدية عن ست روايات هي: الظلال الطويلة، الساخر العظيم، طفولة جبل، ينال، الحيوان وأنا، وزمن الأرجوان. وما يجمع هذه الأعمال أنها تنتمي إلى الرواية الحداثية مع اقتراب بعضها من تقنيات ما بعد الحداثة، فضلا عن تنوع موضوعاتها ووحدة بصمتها الأسلوبية.
وأرى أن تجربة أمجد توفيق تنتمي إلى التراث الإنساني للرواية الواقعية الحديثة أو ما اصطلح على تسميته بالرواية البرجوازية، وهو توصيف نقدي لا يحمل أي دلالة انتقاص، بل يضعها ضمن الامتداد الطبيعي للرواية العربية والعالمية التي انشغلت بالإنسان قبل الأيديولوجيا، وبالأسئلة الوجودية والاجتماعية قبل الشعارات السياسية.
لقد أثبت تاريخ الأدب أن الإبداع الحقيقي لا ينتج بقرارات سياسية أو أيديولوجية بل يتشكل داخل التراكم الثقافي والحضاري. ولهذا بقيت الأعمال الروائية الكبرى أكثر قدرة على البقاء من الأدب التعبوي، لأنها انحازت إلى الفن أولا، ومن خلاله انحازت إلى الإنسان.
وتكمن جاذبية روايات أمجد توفيق في أنها تؤرخ للعراق الحديث من خلال مصائر البشر، لا عبر الخطابات السياسية. فهو يكتب عن الاحتلال الأمريكي، وسقوط الدولة واحتلال داعش للموصل ومأساة الإيزيديين والفساد والعنف والاحتجاجات الشعبية لكنه يحول هذه الوقائع إلى مادة روائية نابضة بالحياة، بعيدة عن المباشرة والتقريرية.

ومن أبرز خصائص مشروعه السردي الحضور الفاعل للمكان. فبغداد والموصل وأربيل لا تظهر بوصفها فضاءات جغرافية فحسب، بل تتحول إلى شخصيات مؤثرة في السرد، إلى جانب مدن عربية وأوروبية مثل باريس ولندن وإسطنبول وعمان ومدريد، بما يمنح الرواية أفقا إنسانيا أرحب ويكسر حدود المحلية الضيقة.
كما يمتلك أمجد توفيق قدرة لافتة على رسم الشخصيات المركبة، فهي ليست شخصيات نمطية أو أحادية البعد، وإنما شخصيات مأزومة، تتصارع داخلها القيم والمصالح والهويات، وهو ما يمنحها صدقية فنية وقدرة على التأثير في القارئ.
وفي رواية الظلال الطويلة، يقدم رؤية نقدية عميقة لما جرى بعد عام 2003 من خلال شخصيات تتقاطع مصائرها مع انهيار الدولة العراقية، بينما تتجلى في الساخر العظيم واحدة من أهم الروايات العراقية التي تناولت مأساة الموصل والإبادة التي تعرض لها الإيزيديون، مستفيدا من تقنيات سردية حديثة، مثل تعدد الأصوات والميتاسرد والاسترجاع الزمني.
إن ما يميز تجربة أمجد توفيق هو نجاحها في الجمع بين المتعة الفنية والعمق الفكري، وبين التشويق والرؤية النقدية، ولذلك يجد القارئ نفسه منجذبا إلى نصوصه حتى الصفحة الأخيرة، في وقت تعاني فيه روايات كثيرة من الترهل وضعف البناء. لهذا أعتقد أن مشروع أمجد توفيق يمثل إضافة حقيقية إلى الرواية العراقية المعاصرة، ويستحق أن يحظى بمزيد من الدراسات الأكاديمية والنقدية، لأنه لا يوثق تاريخ العراق الحديث فحسب، بل يعيد صياغته في عمل فني يضع الإنسان في مركز الحكاية، ويمنح الذاكرة العراقية صوتا سرديا يمتلك الجمال والصدق .







