الضغطة الأخيرة        

الرابط المختصرhttps://www.ashurnews.com/?p=60815

الضغطة الأخيرة        

Linkedin
Google plus
whatsapp
27 يونيو , 2026 - 1:32 م

الضغطة الأخيرة        

كتبت:  د.دعاء يوسف / اربيل   

   في أجزاء الثانية، وأثناء الكتابة أحياناً، نشعر أن الحبر بدأ يضغط على نعومة الورقة بشكل بات يؤذيها. تترجم رعشة يد الكاتب عندما يصل إلى جزئية معينة في نصه الأدبي، سواء كان مقالاً أم شعراً. وبعد أن داهمت بساطتنا وتقاليدنا الكتابية التكنولوجيا العجولة، تحولت هذه الضغطة من القلم إلى لوحة المفاتيح على الجوال.

فربما، وبدلاً من أن يضغط القلم على الورقة مسبباً لها خدشاً، ينزلق الإصبع الذي يكتب على لوحة المفاتيح إلى حرف آخر بجانب الحرف المراد كتابته. وهنا نقول: سقط سهواً، أو خطأ إملائياً. إلا أنه في أغلب الأحيان خطأ عاطفي تُرجمه الكاتب بيده دون أن ينتبه.

د.دعاء يوسف

لكن الفكرة لا تكمن هنا تحديداً، بل تتبلور في فكرة الحبكة أثناء الكتابة. ها أنا وصلت الآن، بحسب ما يخبرني به برنامج الوورد الذي أكتب عليه، إلى 123 كلمة، وأنا في سطري السابع بحسب ترتيب الكلمات على خط بحجم 12، وأشعر أن هناك ما يدغدغ وجداني ويعزف على إيقاع كلماتي، فيما لا أجيد التحديد بدقة في أي كلمة شعرت بذلك.

كأن النص نفسه يقرر أحياناً أن يقود كاتبه، لا أن يُقاد به. وكأن بعض الجمل تمتلك قدرة خفية على استدعاء ما هو أعمق من المعنى المباشر، فتجعلنا نشعر بشيء لا نستطيع الإمساك به أو تسميته.

هذا هو العمق الأدبي للكاتب الذي اعتمد قلمه على صقل ما بداخله، أما العمق الأعمق فيكمن في ذلك الغموض الجميل الذي يجعلنا نشعر بالأثر قبل أن نفهم سببه، وننجذب إلى الفكرة قبل أن نعرف إلى أين ستقودنا. ولعلّ أجمل ما في الكتابة أنها لا تمنح نفسها كاملةً لكاتبها. ففي كل نص مساحة لا يخطط لها العقل، بل يتركها القلب تتشكل على مهل، كأن اللغة تعرف الطريق قبل صاحبها. لذلك لا يُقاس النص بعدد كلماته، ولا بسلامة حروفه، بل بذلك الأثر الغامض الذي يتركه في نفس كاتبه أولاً، قبل أن يصل إلى قارئه. وما إن يحدث ذلك، ندرك أن الكتابة لم تعد مجرد فعلٍ نمارسه، بل كائنٌ يكتبنا ونحن نظن أننا من نمسك بالقلم أو نضغط على لوحة المفاتيح..

مكة المكرمة