مطبات هوائية

الرابط المختصرhttps://www.ashurnews.com/?p=61340

مطبات هوائية

Linkedin
Google plus
whatsapp
18 أغسطس , 2026 - 1:13 ص

مطبات هوائية

كتبت: د.دعاء يوسف

نحن نعرف المطبات الهوائية بوصفها عارضاً في السماء؛ اهتزازاً مفاجئاً يذكّر المسافر بأن الهواء الذي يحمل الطائرة ليس كتلةً ساكنة كما يبدو من النافذة. لكن الإنسان أيضاً يسافر داخل هواء غير مرئي، هواء يتكوّن من مزاجه، وذاكرته، ومخاوفه، ومن أولئك الذين يملكون قدرة غريبة على تغيير ضغط يومه بجملة واحدة.

هناك مواقف لا تستحق كل هذا الألم، لكنها تصادفنا ونحن في أكثر حالاتنا هشاشة. لذلك لا يكون حجم المطب دائماً بحجم ما حدث، بل بحجم ما كان في داخلنا حين حدث.

بعض المطبات يمرّ سريعاً. وبعضها يوقظ شيئاً قديماً كنا نظنه مات. كلمة عابرة قد تفتح جرحاً لم يصنعه صاحبها، وشخص قد يرحل من حياتنا تاركاً وراءه اضطراباً أكبر من حضوره. نحن لا نتأذى دائماً من الحادثة نفسها؛ أحياناً نتأذى من المعنى الذي منحناه لها.

د. دعاء يوسف

وهنا تبدأ المنطقة الأكثر غموضاً في النفس: الأذى الذي لا يملك شكلاً.

لا كدمة على الجسد، ولا جرح يمكن الإشارة إليه، فقط تغيّر خفيف في طريقة النظر إلى الناس، في درجة الثقة، في قدرتنا على الفرح، وحتى في الطريقة التي نحب بها. قد نبدو كما نحن، بينما شيء في الداخل أخذ يتجنّب الارتفاعات خوفاً من مطب جديد.

والأرض مليئة بهذه المطبات الصغيرة.

نبرة تبدلت.

خذلان لم نتوقعه.

صمت في اللحظة التي كنا نحتاج فيها كلمة.

يد ابتعدت حين كنا نظنها ستبقى.

أشياء تبدو صغيرة في ميزان العالم، لكنها ليست صغيرة في ميزان القلب.

وربما لهذا لا تكون القوة في أن نعيش بلا اضطراب؛ فهذا مستحيل. القوة الأعمق أن نعرف الفرق بين مطبٍّ يستحق أن نتوقف عنده، ومطبٍّ يستحق أن نتركه يهتز داخلنا قليلاً ثم نعبره.

فبعض ما يؤلمنا يحتاج فهماً، وبعضه يحتاج غفراناً، وبعضه يحتاج فقط أن نتوقف عن حمله معنا.

لأن أخطر ما تفعله المطبات ليس أنها تهزّنا؛ بل أن تقنعنا، بعد تكرارها، بأن الاهتزاز هو طبيعتنا. وحينها لا نكون قد تأذينا من الحياة وحدها، بل من الطريقة التي سمحنا بها للأذى أن يعيد تشكيلنا.

مكة المكرمة