محاكم خلف الشاشات : حين يحاسب المجتمع حضور المرأة العراقية والأنبارية في الواجهة

محاكم خلف الشاشات : حين يحاسب المجتمع حضور المرأة العراقية والأنبارية في الواجهة
محاكم خلف الشاشات : حين يحاسب المجتمع حضور المرأة العراقية والأنبارية في الواجهة …
كتبت: فاطمة الصباح
لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد مساحات افتراضية للتواصل بل تحولت الى محاكم شعبية مفتوحة اربعة وعشرين ساعة منصاتها قضاة وتعليقاتها أحكام جاهزة والهدف الدائم فيها هو المرأة فما ان تخطئ المرأة خطوة نحو الواجهة سواء عبر نشاط مهني أو حضور إعلامي أو حتى مجرد ظهور مرئي حتى تستنفر منظومة كاملة من الوصاية والرفض والبحث عن العيوب وما الهجمة الأخيرة التي رافقت ملتقى سيدات أعمال الأنبار إلا غيض من فيض ودليل صارخ على أن المجتمع الرقمي ما زال يتعامل مع نجاح المرأة ووجودها العلني بمنطق الخطر المهدد لا بمنطق الشريك الفاعل .
وحين نطرح السؤال على النساء اللواتي خضن غمار الظهور والعمل العام في المجتمع العراقي والأنباري تتكشف لنا هوة واسعة في ازدواجية المعايير تقول إحدى المشاركات في استطلاع ميداني حول طبيعة النظرة المجتمعية : المرأة عندما تكون حاضرة في المجال العام وتعبر عن رايها أو تدافع عن قضية مجتمعية تواجه أسئلة وانتقادات تتعلق بشخصها وحياتها أكثر من تركيز الناس على عملها ورسالتها بينما ينظر إلى الرجل غالبا من زاوية نشاطه وإنجازاته.
هذه الثقافة المجتمعية لا تكتفي بالنقد بل تذهب إلى أبعد من ذلك عبر سلاح الوصم وكما تشير إحدى الناشطات : بعد انتشار مصطلح النسوية أصبحت وكأنها كلمة عار توصم بها المدافعات عن حقوقهن، انتشار مخيف لهذه الوصمة وكأنها عار على المرأة أن تظهر وتتكلم فيما سلب من حقوقهن هذا التخويف الممنهج يراد به إبقاء المرأة في مساحة ضيقة محاصرة بين الخوف من الإدانة والخوف حتى من التقنيات الحديثة كالتلاعب بالصور والذكاء الاصطناعي الذي بات يستخدم كأاداة ضغط نفسي إضافي
والكثير من الرفض المجتمعي لظهور المرأة لا يستند إلى أسباب منطقية أو دينية صحيحة بل هو امتداد لأفكار متوارثة و تشير إحدى المشاركات بوعي عال إلى هذه الجزئية قائلة : رفض المجتمع لظهور المرأة جاء بناء على فكرتين الأولى فكرة متوارثة ومجرد أن أرى من حولي يرفض الفكرة أتبناها بدون فهم والدليل أننا نرى حين تكسر إحدى الفتيات هذه القاعدة ويصبح الأمر طبيعيا يزول الرفض تدريجيا .

هذا الخوف المتبادل يمتد ليشمل محيط العائلة في البدايات فكثير من الشابات يواجهن خوف الأهل وقلقهم من نظرة مجتمع لا يرحم حيث تختصر إحداهن معاناتها بالقول : كانت هناك مخاوف بسبب نظرة المجتمع ويحسسون الواحد وكأنها مرتكبة جريمة بينما من يرتكب الجرائم الحقيقية في الواقع لا أحد يقترب منه هذا التناقض الصارخ بين قسوة المحاكمة الافتراضية والتغاضي عن الواقع الحقيقي يعكس أزمة نفسية واجتماعية عميقة يمر بها المجتمع نتيجة تراكم الضغوط .
وحتى في مجالات العمل الميداني والاقتصادي لا تسلم المرأة من التحديات تروي إحداهن تجربتها في العمل الخاص قائلة : حين كنت أعمل في المحل كنت أسمع ألفاظا غير لائقة لمجرد أني طلعت ع الكاميرا وعلى السوشيال ميديا وحكموا علي بدون ما يجربوني لكن الحمد لله كدرت أنجح وحالياً الكل جاي يقلدني وصار هذا شي فخر إلي ولأهلي، هذا النجاح الميداني يثبت أن حاجز الخوف يكسره الإصرار وأن المجتمع مهما كان متحفظا يرضخ في النهاية للنموذج الناجح والمحترم الذي يفرض احترامه بالعمل لا بكلام الشاشات .
إن معركة المرأة العراقية والأنبارية اليوم على منصات التواصل الاجتماعي ليست معركة شكل أو ظهور فحسب بل هي معركة إثبات حق في الوجود والمساهمة الكاملة، و إن محاولات تدجين الصوت النسوي وتغليفه بالخوف لن تزيد الواعيات إلا إصراراً على تجاوز ثقافة الخلفيات المظلمة
التغيير قادم لا محالة وكل امرأة تظهر بفكرها وعملها واحترامها لمبادئها إنما تحفر في صخر الجهل المجتمعي لتعبد الطريق لمن يأتي بعدها وحين تصبح رسالة الإنسان واضحة وهادفة تصبح كل أصوات الضجيج خلف الشاشات مجرد صدى زائل لا قيمة له . حين تتأمل هذه المعارك الدائرة على شاشات الهواتف تدرك تماما أن المشكلة لم تكن يوما في شكل الظهور أو طريقته بل في رعب المجتمع من تحرر العقل النسوي واستقلاليته، و ان السكوت على هذه الوصاية الرقمية يعني منح الجهل صكا ممدودا للتحكم بحياة البشر ومستقبلهم لذلك يبقى الصوت الواعي هو السلاح الأبقى في وجه كل محاولات التهميش.







