جواد سليم .. والثقافة العامة في العراق.

الرابط المختصرhttps://www.ashurnews.com/?p=61721

جواد سليم .. والثقافة العامة في العراق.

Linkedin
Google plus
whatsapp
2 أكتوبر , 2026 - 1:41 ص

جواد سليم .. والثقافة العامة في العراق.

كتب: د.قاسم محسن المدير العام السابق لدائرة الفنون

        الفنان التشكيلي الراحل جواد سليم قام بتدوين يومياته على شكل مذكرات عكست عمق المعرفة الفكرية وثقافته في الحياة. اذ كتب جواد في احدى يومياته ومدوناته الشخصية: (فــــــي كل زمان ومكان تسقط المعاول من آيادي الجلادين، لتقطف الرؤوس المثمــــــــرة). فقد دلت اعماله وكتاباته على تجربة مكتنزة بالمفاهيم التعبيرية والدلالات الموضوعية، اعمالاً متوازنة ومحّملة بالابتكار، متخذاً من الانسان في اغلب اعماله كثيمة يجسد عبرها مرموزاته التعبيرية. فلم يستعرض برسوماته لمحاكات الواقع بل ابتعد عن الرسوم المدرسية الاكاديمية ولم يتخذ من التقنيات اللونية هدفا له بل اعتمد الفكرة فنراه يكبح اللون امام تصديرمواضيعه التعبيرية بخطوط افتقدت محاكات الطبيعة المباشرة وحملت انسيابية ورشاقة بتعبيرية منفردة جاعلاً من الفضاءات او المناطق الغير مشغولة في اللوحة او في اعماله النحتية المدورة منها والنحت الرليف البارز جميعها وظف الفضاء ليكون عامل مؤثر في اصداء اعماله النحتية، فقد انجز اعماله وموضوعاته بيسر كبير، وعمل جواد على مصلاحة ذاته الفنية مع اللوحة او عمله النحتي وهو يتهيء لا نجازه لتلك الاعمال ويجب ادراك تلك المفاهيم وهي ما يميز به الفنان عبر مصالحة الذات اولا ومن ثم فتح آفاقه وخيالاته مع العمل الفني المزعم انجازه، فاعماله بمثابة وثائق تقدم للمشاهد بطريقة مباشرة او غير مباشرة. 

وكما يقــــــول كلي: (أن الفن في الواقع لا يقدم لنا المرئي، بل انه يجعل الشيء مرئياً). أي بدت التعبيرية واضحة والأثر الاكاديمي أو الدراسي بشكل أكثر تجريداً. فقد اصبح الشكل حاملاً لانتقالات ووجدان الفنان، بعيداً عن الرؤية التقليدية، وصولاً الى التجريدية. اذ استمر هذا التحول في الفن متقدماً نحو الحداثة التي ابتدعت في اوربا. ومن ثم بدت واضحة المعالم في التجربة الفنية للتشكيل العراقي. كما لمسناها وعبر الاستخدامات المتنوعة للفنان جواد سليم لمواد الخام، ليس القصد منها ادخال شيء جديد فحسب وانما ليعبر عن رغبته بالتجريب والدخول الى مناطق غير مؤهولة في واقع التشكيل العراقي في ذلك الحين، وعبر رسوماته للوحاته وكذلك منحوتاته لغرض مغادرة التداولية في الاعمال الفنية وعدم الاجترار لتجارب الاخرين، وكأن في داخله كانَ اوسكار وايلد حينما قال: ( من خلال الفن والفن وحدهُ، نحمي ذواتنا من أخطار الحياة الموحشة الحقيقية).     

استفاد جواد سليم كما استفاد الفنان فائق حسن وحافظ الدروبي وبعض الفنانين من تجربة الفنانين البولونيين حينما زاروا العراق وكانوا قد أسسوا ورشة فنية في “عكد النصارى” المتفرع من شارع الرشيد في منطقة رأس القرية ببغداد. وكان لهم صلات مع المثقفين العراقيين و خاصة مع الفنان جواد سليم. مسجلين مرحلة انتقالية مهمة في مسيرته الفنية، فقد تحرر الفنانين العراقيين من المدرسة الاكاديمية في الرسم، والاهتمام بالتقنيات الفنية من عام (1941-1943). وفق الممارسات التجريبية للخامات الجمالية وفق المستوى التعبيري الذي يخضع لانفعالات الفنان التي يسقطها على الخامة عبر عمليات ذهنية وتحليلية تركيبية وادائية، لانتاج الاعمال الفنية مضّمنة بالقيم والافكار المفترضة على الخامات والمواد من جهة، ومن جهة اخرى تعالق القيم الجمالية مع قيم البنيوية التركيبية الشكلية للعمل الفني بفعل خلق علاقات وتكوينات جديدة. فقد سعى الفنان لخلق ابداع في جسد النص البصري، اذ تُعد المضمونات الملحمية وتوثيق السجل الايدلوجيا على الصعيد السياسي والاجتماعي وفق ما يعزز الفن التشكيلي ضمن منظورات الفن والتقدم من سمات مجتمع جواد سليم الموضوعي والتقني، اذ أن جواد يثير حفيظة ذاتية عنده وهي شيوع الفن القومي في العراق. وكون الفن القومي يستند الى مصدرين: الاول التقاليد الراسخة، والثانية القضايا السائدة. فهي تُدرك مشوار الانسان العراقي ومراحله عبر الألتزام الوطني وكذلك فانه يدعو الى دعم سمة من سمات الاصالة العراقية وظاهراتها عبر الفنون التشكيلية، والتي سبق أن كل فنان في العالم يدعم هوية بلاده، فضلاً عن انه كان يدعو عبر تلك الاعمال الى سبر اعماق الانسان العراقي الرافديني. تولد لديه ومن خلال التجريب وبفعل الدوافع الذاتية التي عكست كفاح جواد سليم لخلق حالات تميزه عن الاخرين. فذاتية الفنان دعته الى العمل المتواصل ما بين التجريب والبحث المستمر للبحث عن الذات والهوية الوطنية التي ميزت الفنان جواد سليم. فقد انتهجت تجربته في تجسيد عنصرّي الخير والشر في الانسان، وبوحدة الفكرة وانسجام وتوافق المكونات الاساسية لمرموزات اعماله الفنية والتعبير بتلك المكونات بطريقة مباشرة، وتأثره بتجربة الفنانين البولونيين في بغداد. وكان لهؤلاء البولونيون، اهتمامات ثقافية متنوعة منها كالأدب والشعر والموسيقى ومن ثم كان لهذا التنوع حضوراً في الثقافة العراقية آنذاك.

ويمكن القول هنا ان العديد من العوائل العراقية في ذاك الحين كانت تعيش نوع من الحياة الاستقراطية واللياقة الادبية والتعامل الرومانسي، فالكثير منهم كان محافظاً على تقاليد الاتكيت ومنها مثلاً عدم الخروج الى الشارع من دون ارتداء كامل القيافة وحتى في البيوتات كان منهم من ينزل الى تناول الطعام في الصالة يتوجب عليه ارتداء القميص والبنطرون (السروال)، والجلوس على مائدة الطعام بكل اناقة وزهو والبعض كان لديهم خدم من جنسيات مختلفة، وكانت الحوارات تقام ايجابية وسجالات نافعة بعيدة عن المجالس المجانية الفارغة، بل كان للوقت اهمية وعجلة الزمن لها دورها في التقدم واحترام الموعد كون تلك التقاليد كانت بمثابة نوع من الشخصية والذات العارفة المتعلمة. هذه الصور المشرقة من التاريخ كان لها مدلولاتها ومحمولاتها في الثقافة العامة والضمير الوجداني الجمعي للمجتمع العراقي والذي انتج فناً راقياً متنوع

مكة المكرمة