الإسباني الذي غادر ليبيا وترك وراءه أسئلة النفط والنفوذ

الإسباني الذي غادر ليبيا وترك وراءه أسئلة النفط والنفوذ
من ملف أمني غامض إلى حديث عن تفاهمات بين الشرق والغرب.. ماذا نعرف عن قصة «مارك»؟
/آشور- طرابلس – كان يفترض أن يشكل ترحيل المواطن الإسباني المعروف باسم «مارك» نهاية لملف أمني حساس في ليبيا. لكن خروجه من البلاد أعاد فتح القضية من زاوية مختلفة: ماذا حدث بين توقيفه ومغادرته؟ ومن كان يملك مفاتيح هذا الملف؟
القصة لا تتعلق، بحسب المعطيات الرسمية السابقة، بموقوف أجنبي عادي. فقد ظهر اسم «مارك» في سياق قضية مرتبطة بخلية قالت حكومة الوحدة الوطنية إنها كانت تستهدف منشآت حيوية، بينها مرافق نفطية ومحطات كهرباء، إضافة إلى مواقع وشخصيات حساسة.
ومع غياب تفاصيل قضائية كاملة عن القضية، أصبح الفراغ المعلوماتي مساحة خصبة للروايات المتضاربة.
البداية من خلية مجهولة التفاصيل
في سبتمبر/أيلول الماضي، أعلنت السلطات الليبية تفكيك خلية مكونة من خمسة أشخاص، من الليبيين والأجانب، قالت إنها كانت ضالعة في مخططات تخريبية.
البيان الرسمي تحدث عن هجمات بطائرات مسيّرة طالت مرافق للطاقة في طرابلس والزاوية، وعن مخططات أخرى تم إحباطها.
لكن الإعلان لم يقدم للرأي العام صورة كاملة عن بنية الخلية أو مصادر تمويلها أو الجهات التي تقف خلفها، كما ظلت التفاصيل المتعلقة بالموقوفين محدودة.
وسط هذه الضبابية، برز المواطن الإسباني «مارك» كأحد الأسماء المرتبطة بالقضية.
ثم جاء الإفراج عنه وترحيله إلى إسبانيا.
وهنا بدأت القصة تأخذ مساراً آخر.
ماذا حدث خلف الكواليس؟

المحلل السياسي الليبي ناصر عمار يقدم رواية تقول إن القضية لم تبقَ داخل الإطار الأمني، بل تحولت إلى ورقة في مفاوضات أوسع بين مراكز نفوذ في شرق ليبيا وغربها.
وبحسب عمار، فإن «مارك» كان من العناصر المحورية في الخلية التي اتُّهمت باستهداف مرافق حيوية، وإن الإفراج عنه جاء نتيجة تفاهمات ومقايضات سياسية ومالية.
ويقول عمار إن رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة ووكيل وزارة الدفاع عبد السلام زوبي دخلا في اتصالات مع صدام حفتر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ضمن مسار تفاوضي ارتبط بالقضية.
من الأمن إلى الاقتصاد
الأكثر حساسية في رواية عمار هو ما يقوله عن طبيعة المقابل المحتمل.
فوفقاً للمحلل، لم تتوقف التفاهمات عند حدود الإفراج عن المواطن الإسباني، بل امتدت إلى ملفات اقتصادية، وفي مقدمتها قطاع النفط، مع حديث عن فرص استثمارية وامتيازات لشركات مرتبطة بأطراف في غرب البلاد.
وإذا أمكن إثبات هذه المعطيات، فإن القضية ستتجاوز حدودها الأمنية لتصبح نموذجاً لكيفية تداخل الملفات القضائية والأمنية مع المصالح الاقتصادية في بلد تتوزع فيه السيطرة والنفوذ بين قوى متعددة.
أبوظبي في خريطة الاتصالات
يضع عمار أيضاً الإمارات ضمن شبكة الاتصالات التي يقول إنها ساهمت في تقريب وجهات النظر بين أطراف ليبية متنافسة.
ويشير إلى لقاءات استضافتها أبوظبي بين صدام حفتر وعبد السلام زوبي، في إطار مساعٍ لتقريب المواقف، بالتزامن مع تحركات دولية وإقليمية بشأن توحيد المؤسسة العسكرية الليبية.
كما يربط هذه الاتصالات بالسياق الأوسع الذي شهد مشاركة شخصيات من الشرق والغرب في فعاليات ومناورات عسكرية خلال 2026.
لماذا تهم قضية «مارك»؟
لأنها تطرح سؤالاً يتجاوز شخص الموقوف.
إذا كان ملف أجنبي متهم بالارتباط بخلية تستهدف منشآت استراتيجية قد انتهى بترحيله دون نشر تفاصيل كافية عن المسار القانوني، فإن ذلك يفتح نقاشاً حول الشفافية في إدارة الملفات الأمنية الحساسة.
أما إذا كانت هناك بالفعل تفاهمات سياسية رافقت عملية الإفراج، فإن معرفة أطرافها وشروطها تصبح ضرورية لفهم طبيعة العلاقة الجديدة بين القوى المتنافسة في ليبيا.
والأهم: هل كانت المصالح الاقتصادية جزءاً من هذه التفاهمات؟
الملف الذي لم يغلق
حتى الآن، لا تزال هناك ثلاثة أسئلة رئيسية معلقة:
ما الأساس القانوني الذي سمح بالإفراج عن «مارك» وترحيله؟
ما مصير بقية أفراد الخلية وما الذي انتهت إليه التحقيقات بشأنهم؟
وهل كانت هناك، بالفعل، تفاهمات سياسية أو اقتصادية رافقت الإفراج عنه؟
الإجابة عن هذه الأسئلة تحتاج إلى أكثر من التسريبات والتحليلات السياسية؛ تحتاج إلى قرارات قضائية، وثائق رسمية، وسجلات تفاوض يمكن التحقق منها.
ففي ليبيا، حيث تتقاطع السياسة مع الأمن والنفط، قد يكون خروج شخص واحد من البلاد تفصيلاً صغيراً في الظاهر، لكنه يكشف، إذا ظهرت الوثائق، عن خريطة أكبر بكثير لموازين القوة والتفاوض. ولهذا ربما لا تكون قصة «مارك» قصة رجل غادر ليبيا، بل قصة ما بقي في ليبيا بعد مغادرته: أسئلة بلا وثائق، وتفاهمات بلا إعلان، ونفط يظل حاضراً في خلفية المشهد







