لافتة سوداء

لافتة سوداء
لافتة سوداء
كتبت: نورا المرشدي
عندما تمر في أحد شوارع مدينتك وتلمح لافتة سوداء معلقة على باب منزل أو محل تجاري تتوقف للحظات أمام حقيقة يعرفها الجميع ويتناساها الكثيرون وهي أن الدنيا مهما طالت فهي قصيرة وأن الإنسان مهما بلغ من مكانة أو نفوذ فإن مصيره إلى نهاية لا يملك تأجيلها أو الهروب منها
تلك اللافتة ليست مجرد إعلان عن رحيل شخص بل رسالة صامتة يقرؤها كل من يمر من هناك فهي تذكرنا بأشخاص كانوا بالأمس بين الناس يملؤون الأماكن حضوراً وحديثاً ثم غابوا وبقيت ذكراهم وأعمالهم شاهدة عليهم
وفي زحمة الحياة نرى شخصيات تتصدر المشهد ويحيط بها المادحون من كل جانب وتُكتب عنها المقالات وتُلتقط معها الصور ويظن البعض أن هذا البريق سيبقى إلى الأبد لكن الأيام كثيراً ما تكشف حقيقة الدنيا وسرعة تقلباتها فكم من شخص كان محط الأنظار ثم تغيرت الأحوال وأصبح وحيداً بعد أن انفض عنه الجميع وكم من صاحب منصب أو نفوذ كان الناس يتقربون منه ثم تحول إلى ذكرى أو خبر تتناقله الألسن

الدنيا دولاب يدور ولا يتوقف عند أحد فمن كان اليوم في القمة قد يكون غداً في مكان آخر ومن ظن أن السلطة أو المال أو الشهرة ستحميه من تقلبات الزمن اكتشف متأخراً أن كل شيء زائل إلا العمل الصالح والأثر الطيب
وعندما نتأمل تلك اللافتة السوداء ندرك أن الحياة ليست سباقاً لجمع المديح ولا منافسة على المناصب وإنما هي رحلة قصيرة يحمل الإنسان فيها أعماله معه أينما ذهب فهناك من يرحل وقد ترك خلفه دعاء الناس ومحبتهم وهناك من يرحل تاركاً وراءه قصص الظلم والخصومات والحقوق الضائعة
وفي النهاية يجتمع الجميع على أرض واحدة تحت التراب حيث تختفي الفوارق وتسقط الألقاب وتبقى العدالة الإلهية التي لا يضيع معها حق ولا ينجو منها ظالم فالسعيد من اتعظ قبل أن تتحول حياته إلى لافتة سوداء يمر الناس من أمامها ويذكرون سيرته بما قدمه من خير أو بما ارتكبه من أخطاء







