الفضيلة الوسطى.. كيف نصون أنفسنا دون أن نخسر الآخرين

الرابط المختصرhttps://www.ashurnews.com/?p=61277

الفضيلة الوسطى.. كيف نصون أنفسنا دون أن نخسر الآخرين

Linkedin
Google plus
whatsapp
8 أغسطس , 2026 - 12:42 ص

الفضيلة الوسطى.. كيف نصون أنفسنا دون أن نخسر الآخرين

كتبت: د. دعاء يوسف  

ثمة نوعٌ من البشر يمشي بين الناس كما يمشي الماء بين الصخور؛ لا يصطدم، ولا يتكسر، ولا يفقد جوهره، بل يتشكل بحسب الوعاء الذي يحويه، دون أن ينسى أنه ماء. إنه الإنسان الذي يجيد العبور بين اختلافات البشر، فيحافظ على ذاته من دون أن يجرح الآخرين، ويمنح العلاقات مساحة للحياة بدل أن يحولها إلى ساحات صراع.

كثيرون يخلطون بين سلاسة الشخصية وضعفها، غير أن الفارق بينهما عميق. فالإنسان الضعيف يوافق لأنه يخشى الرفض، ويصمت لأنه يخاف المواجهة، ويتنازل لأنه لا يملك القدرة على الثبات. أما الإنسان السلس، فهو يملك رأياً واضحاً وحدوداً يعرفها جيداً، لكنه يختار عن وعي أن يخفف حدة الاختلاف، وأن يقدم الحكمة على الانفعال، والرفق على القسوة. إنه لا يتنازل لأنه عاجز، بل لأنه يدرك أن بعض المواقف تُكسب بالمودة لا بالمغالبة.

وتنبع هذه السلاسة من احترام حقيقي للآخر، لا من مجاملة فارغة. فهي تقوم على قناعة بأن لكل إنسان حقاً في أن يُسمع، وأن اختلاف الآراء لا يلغي قيمة أصحابها. لذلك فهو يناقش من دون أن يهين، ويخالف من دون أن يعادي، ويرفض الفكرة من دون أن يرفض صاحبها، مؤمناً بأن الاختلاف جزء طبيعي من التنوع الإنساني، لا سبباً للقطيعة.

د. دعاء يوسف

وهذه الشخصية تمثل ما يمكن وصفه بـ”الحكيم الاجتماعي”، الذي يمتلك القدرة على اختيار الكلمة المناسبة في الوقت المناسب، ويوازن بين الصراحة واللطف، وبين الثبات والمرونة. فهو يعرف متى يتحدث ومتى يلتزم الصمت، ويغير أسلوبه بحسب من يخاطب، لكنه لا يغير مبادئه، ويرى نفسه جسراً يصل بين الناس لا جداراً يفصل بينهم. كما أنه لا يسعى إلى الانتصار في كل نقاش، لأنه يدرك أن الحفاظ على العلاقة قد يكون أثمن من كسب الجدل.

فالسلاسة ليست غياباً للموقف، وإنما نضج في طريقة التعبير عنه. فهناك فرق كبير بين من يقول: “أنت مخطئ”، ومن يقول: “أرى الأمر من زاوية مختلفة”. المعنى قد يكون واحداً، لكن الأثر مختلف تماماً؛ فالأولى تغلق أبواب الحوار، بينما الثانية تفتح مجالاً للفهم والتقارب.

وهنا تتجلى الفضيلة الوسطى؛ فهي ليست دعوة إلى التنازل عن المبادئ، ولا تشجيعاً على التشدد الذي يقطع الجسور بين الناس، وإنما هي القدرة على تحقيق التوازن بين احترام الذات واحترام الآخرين. أن تحافظ على قناعاتك دون أن تتحول إلى خصومة مع كل من يخالفك، وأن تصون كرامتك من غير أن تجرح كرامة غيرك، وأن تتمسك بمبادئك من دون أن تجعلها سبباً لإلغاء الآخرين. وفي زمن يتسع فيه الاستقطاب وتضيق فيه مساحات الحوار، تبدو الفضيلة الوسطى أكثر من مجرد قيمة أخلاقية؛ إنها أسلوب حياة، وفن في إدارة الاختلاف، وحكمة تجعل الإنسان قادراً على أن يصون نفسه دون أن يخسر الآخرين، وأن يبقى ثابتاً على قيمه، منفتحاً على الناس، مؤمناً بأن قوة الإنسان لا تُقاس بقدرته على الانتصار في كل جدال، بل بقدرته على الحفاظ على إنسانيته في كل اختلاف.

مكة المكرمة