حين يصبح الحب مرآةً للروح.. قراءة في «فردوس النساء الوحيدات» لبرهان شاوي.

حين يصبح الحب مرآةً للروح.. قراءة في «فردوس النساء الوحيدات» لبرهان شاوي.
حين يصبح الحب مرآةً للروح.. قراءة في «فردوس النساء الوحيدات» لبرهان شاوي.
كتبت: د .دعاء يوسف
ثمة روايات تُقرأ بحثًا عن الحكاية، وروايات أخرى تجعل القارئ يتوقف طويلًا أمام نفسه. و«فردوس النساء الوحيدات» لبرهان شاوي تنتمي، في المقاطع التي تكشف عالم آدم النوري وحواء، إلى النوع الثاني؛ حيث تتحول العلاقة بين رجل وامرأة إلى مساحة واسعة للتأمل في الحب، والاختلاف، والرغبة، والخوف، وفي تلك المسافة الدقيقة التي تفصل بين أن نحب إنسانًا وأن نرغب في أن يصبح كما نراه نحن.
في هذه الرواية، يبدو الحب كائنًا حيًا لا يستقر على تعريف واحد. يقترب مرة من الاعتراف، ومرة من الحنين، ومرة من الرغبة، ثم يعود ليقف أمام سؤال أشد عمقًا: ماذا يعني أن يرى إنسانٌ إنسانًا آخر حقًا؟
وهنا تبدأ حكاية آدم وحواء من منطقة تتجاوز العاطفة إلى الوجود.
حواء.. امرأة تبحث عن مكانها داخل نظرة الآخر
حواء ليست شخصية تمر في حياة آدم لتمنح الرواية بعدها العاطفي، وإنما هي حضور يعيد ترتيب الأسئلة في داخله. كلما اقترب منها، تبدو المسافة بينهما أكثر تعقيدًا؛ لأنها ليست مسافة مكان، وإنما مسافة بين صورتين: صورة المرأة كما تراها عين الرجل، وصورتها كما تعرف نفسها في أعماقها.
حين تسأله:
«هل تحبني لأنني مختلفة؟ أم لأنني أمنحك ما لا تفهم؟»
فإن السؤال يتجاوز اللحظة التي قيل فيها. إنه يفتح بابًا على طبيعة الحب نفسه.
فالاختلاف يجذبنا لأن فيه شيئًا من المجهول، والمجهول يمنح العاطفة سحرها الأول. لكن حين يصبح الاختلاف حياةً كاملة، بتناقضاتها ومخاوفها وجراحها، تبدأ العلاقة الحقيقية. هناك، في تلك المنطقة تحديدًا، يسقط سحر الصورة وتظهر حقيقة الإنسان.
حواء تريد أن تصل إلى آدم من موقعها الحقيقي، لا من الصورة التي صنعها عنها. تريد أن يكون حضورها في حياته امتدادًا لذاتها، لا انعكاسًا لحاجته إليها.
ولهذا تبدو عبارتها:
«أريدك أن تراني كما أنا، لا كما تريدني أن أكون»
كأنها تختصر مأساة كاملة عاشتها المرأة طويلًا داخل الحب وخارجه.
فالإنسان حين يُحَبّ، يتمنى أن يكون مرئيًا. أن يشعر أن الآخر رأى هشاشته وقوته، خوفه ورغبته، ماضيه وتناقضاته، ثم اختار البقاء.
الحب حين يخرج من صورته الأولى
الحب في بداياته غالبًا ما يكون جميلًا لأنه يعيش في منطقة الخيال. نملأ الآخر بما ينقصنا، ونمنحه صفات قد تكون فيه وقد تكون من اختراع حاجتنا.
آدم يكتب عن حواء، ثم تتحول الكتابة شيئًا فشيئًا إلى طريق يقوده إليها. تصبح المرأة التي يكتب عنها أكثر حضورًا من الكلمات التي يكتبها. وهنا تبدو الكتابة كأنها محاولة للإمساك بشيء عصيّ على الإمساك.
الكاتب يكتب كي يقترب.
والكلمات، كلما كثرت، تكشف له أن الاقتراب الحقيقي أصعب مما تخيل.
إنها واحدة من أجمل المفارقات التي يمكن التقاطها في الرواية: اللغة التي تمنح الإنسان القدرة على التعبير قد تعجز أمام شخص واحد.
فحين يصبح الآخر مهمًا إلى الحد الذي يمس أعماقنا، تضيق اللغة. نبحث عن جملة كاملة، عن اعتراف يليق باللحظة، عن كلمة لا تخون الشعور، ثم نكتشف أن القلب أكثر اتساعًا من كل ما نستطيع قوله.
آدم.. الرجل الذي يكتشف نفسه من خلال امرأة
آدم لا يتعرف إلى حواء وحدها في هذه العلاقة؛ إنه يتعرف إلى نفسه.
وهذه إحدى الوظائف العميقة للحب في الأدب والفلسفة معًا. نحن لا نلتقي الآخر ونبقى كما كنا. بعض الأشخاص يدخلون حياتنا فيعيدون ترتيب الغرف المغلقة داخلنا، يجعلوننا نرى أشياء لم نكن نعرف أنها موجودة.
حواء تفعل ذلك بآدم.
وجودها يدفعه إلى مراجعة معنى الحب، ومعنى الرغبة، ومعنى أن يكون الرجل قريبًا من امرأة لها عالمها الخاص.
وهنا يصبح الحب مرآة.
هو لا يكشف لنا وجه من نحب فقط؛ يكشف الوجه الذي كنا نخفيه عن أنفسنا.
آدم يكتب، يتردد، يعترف، يرغب، ويبحث عن الكلمات. وفي كل هذه الحركة الداخلية يبدو كأنه يطارد شيئًا أبعد من حواء نفسها: يطارد المعنى الذي منحته حواء لوجوده.
بين الرغبة والروح
الجسد حاضر في الرواية، لكنه لا يظهر باعتباره تفصيلًا منفصلًا عن الروح. الرغبة هنا جزء من التكوين الإنساني، مثلما أن الخوف جزء منه.
حين يقترب الجسد، تقترب معه أسئلة كثيرة: الثقة، الأمان، الذاكرة، الخجل، الرغبة في الانتماء، والخوف من أن يصبح الإنسان مكشوفًا أمام شخص آخر.
ولهذا تبدو العلاقة بين آدم وحواء أوسع من لحظاتها الحسية.
الجسد في الرواية يتحول إلى لغة أخرى؛ لغة تقول أحيانًا ما تعجز الكلمات عن قوله.
فالاقتراب الحقيقي من الآخر يحتاج إلى أكثر من الرغبة. يحتاج إلى طمأنينة تجعل الإنسان قادرًا على إسقاط دفاعاته، وعلى أن يظهر أمام الآخر كما هو، بلا تجميل ولا بطولة.

ومن هنا يصبح الجسد امتدادًا لفكرة الحرية.
وحدة المرأة.. أم وحدة الإنسان؟
العنوان «فردوس النساء الوحيدات» يفتح بابًا آخر للتأويل.
الوحدة هنا ليست مجرد غياب رجل عن حياة امرأة. الوحدة أعمق من ذلك بكثير. إنها تلك الحالة التي يعيشها الإنسان حين لا يجد من يفهم اللغة التي يتحدث بها قلبه.
قد يجلس شخصان في المكان نفسه، ويتبادلان الكلمات، وربما ينامان تحت سقف واحد، ومع ذلك يبقى بين روحيهما فراغ لا تعبره الكلمات.
ولهذا فإن «الفردوس» في العنوان يبدو كأنه مساحة رمزية تبحث فيها المرأة عن ذاتها، عن حريتها، عن حقها في أن تعيش تجربتها الخاصة بعيدًا عن الصورة الجاهزة التي يرسمها المجتمع لها.
والمرأة الوحيدة في هذا السياق ليست بالضرورة امرأة محرومة.
قد تكون امرأة وصلت إلى مرحلة من الوعي جعلتها تدرك قيمة وحدتها، وتعرف أن الوحدة التي تختارها بوعي أرحم من علاقة تفقد فيها صوتها.
وهنا يصبح الفردوس حالة من المصالحة مع الذات.
الاختلاف الذي يصنع الحميمية
أكثر ما يمنح علاقة آدم وحواء توترها وجمالها هو الاختلاف.
هما لا يبدوان كروح واحدة تبحث عن نصفها الآخر، بالمعنى الرومانسي التقليدي. إنهما شخصان كاملان نسبيًا، يحمل كل منهما عالمه، ثم يحاولان أن يفتحا نافذة داخل هذا العالم للآخر.
وهذا هو الحب حين ينضج.
أن تمنح شخصًا مكانًا في حياتك من دون أن تطلب منه أن يهدم بيته الداخلي كي يسكن بيتك.
أن تقترب منه وتبقي له حق المسافة.
أن تعرفه أكثر، من دون أن تدعي امتلاكه.
أن تسمع ما يقوله وما يعجز عن قوله.
وفي هذه المنطقة تحديدًا تتوهج شخصية حواء؛ لأنها تريد أن تُحَب وهي محتفظة بتعقيدها، بترددها، بجراحها، وحتى بتناقضاتها.
الحب باعتباره اعترافًا بالإنسان
ربما تكون أكثر الأفكار حضورًا في هذه الرواية هي فكرة الاعتراف.
الحب الحقيقي يبدأ حين يشعر الإنسان أن هناك من رآه فعلًا.
رآه بعيدًا عن الدور الذي يؤديه، بعيدًا عن الصورة التي صنعها المجتمع عنه، بعيدًا عن القوة التي يتظاهر بها، وعن الضعف الذي يخفيه.
أن تقول لإنسان: «أنا أحبك» شيء جميل.
لكن أن تمنحه شعورًا بأنك تعرف أنه كائن مستقل، له ماضيه وأحلامه ومخاوفه، وأن وجوده لا يحتاج إلى إذن منك كي يكون كاملًا؛ تلك درجة أخرى من الحب.
ولهذا فإن حواء في الرواية تبدو وكأنها تطلب من آدم أكثر من العاطفة.
تطلب منه الرؤية.
والرؤية هنا فعل محبة.
الفردوس الذي يبحث عنه الجميع
ربما لهذا يبدو عنوان الرواية أوسع من النساء وحدهن.
فكل إنسان يحمل في داخله «فردوسًا» خاصًا يبحث عنه: مكانًا يشعر فيه أنه مفهوم، مرغوب، حر، وآمن.
لكن الإنسان يذهب غالبًا إلى الآخر بحثًا عن هذا الفردوس، ثم يكتشف أن الآخر ليس جنة مكتملة، وإنما إنسان يحمل جراحه وأسئلته ومخاوفه.
وهنا يبدأ الحب الحقيقي.
حين نتوقف عن مطالبة الآخر بأن يكون فردوسًا، ونبدأ في مشاركته إنسانيته.
آدم وحواء، في هذه القراءة، لا يقدمان قصة حب مكتملة بقدر ما يقدمان رحلة داخل الحب نفسه؛ رحلة من الانجذاب إلى المعرفة، ومن الرغبة إلى الاعتراف، ومن صورة الآخر إلى حقيقته.
وهذا ما يجعل الرواية عاطفية وفلسفية في آن واحد.
خاتمة
«فردوس النساء الوحيدات» رواية يمكن الاقتراب منها بوصفها نصًا عن المرأة، وعن الرجل، وعن الحب، لكنها في عمقها تبدو رواية عن الإنسان حين يقف أمام إنسان آخر ويكتشف كم هو صعب أن يحب دون أن يخاف، وأن يقترب دون أن يمتلك، وأن يُرى دون أن يفقد حريته.
حواء تريد أن تُرى كما هي.
وآدم يحاول أن يجد اللغة التي يستطيع بها أن يقول ما يحدث داخله.
وبين الاثنين تتشكل مساحة الرواية: مساحة لا يعيش فيها الحب بوصفه وعدًا بالاكتمال، وإنما بوصفه كشفًا للروح.
ربما لهذا تبدو بعض العلاقات في الأدب أكبر من أصحابها؛ لأنها لا تحكي عن رجل وامرأة فحسب، وإنما تستعيد سؤالًا قديمًا يسكن الإنسان منذ أول لقاء:
كيف يمكن لروح أن تقترب من روح أخرى، وتظل كل واحدة منهما محتفظة بحقها في أن تكون نفسها؟
وهنا، في تلك المسافة الرقيقة بين القرب والحرية، يبدو «الفردوس» الذي يبحث عنه شاوي أكثر وضوحًا: فردوس أن يجد الإنسان من يراه، دون أن يضطر إلى الاختباء من نفسه







