الخطاب الطائفي والسيناريوهات المحتملة لمواجهة تأثيراته الخطيرة

الرابط المختصرhttps://www.ashurnews.com/?p=61541

الخطاب الطائفي والسيناريوهات المحتملة لمواجهة تأثيراته الخطيرة

Linkedin
Google plus
whatsapp
12 سبتمبر , 2026 - 12:51 ص

الخطاب الطائفي والسيناريوهات المحتملة لمواجهة تأثيراته الخطيرة

كتب: حامد شهاب/ باحث إعلامي  

يؤكد خبراء سياسة وإجتماع وإعلام وعلم نفس أن مواجهة الخطاب الطائفي والعمل على تحجيم تأثيراته الخطيرة في العراق ، يواجه في كثير من ألاحيان صعوبات بالغة من قبل المختصين والقائمين على الشأن القضائي والعسكري والأمني والإعلامي وحتى العشائري .

وكانت لجنة رصد الخطاب الطائفي ذي الطابع الإثني والعرقي، قد عقدت إجتماعها  الأول يوم الثلاثاء التاسع من ايلول 2026  في مقر مكتب القائد العام للقوات المسلحة، بحضور مدير المكتب الفريق أول الركن عبد الأمير الشمري ورئيس اللجنة الفريق الدكتور سعد معن، إلى جانب ممثلين عن مختلف الأجهزة الأمنية.

وأكد الشمري، ضرورة التعامل بحزم وصرامة مع حالات التحريض والخطاب الطائفي، أياً كانت الجهة أو الأطراف التي يصدر عنها، مشدداً على أن تطبيق القانون يجب أن يكون شاملاً وعادلاً ومن دون إستثناء.

وأشار الشمري إلى أهمية عمل اللجنة في تعزيز الاستقرار الأمني والسلم المجتمعي وترسيخ أسس التعايش والحفاظ على اللحمة الوطنية، مؤكداً أن القضاء سيكون الفيصل في اتخاذ الإجراءات القانونية وإصدار الأحكام بحق مروجي الخطابات الطائفية وفقاً للقوانين النافذة.

وشدد الشمري على أهمية تنظيم عمل اللجنة من خلال توزيع واضح للأدوار والمسؤوليات ووضع آليات دقيقة ومحددة لإنجاز المهام الموكلة إليها.

من جانبه، أكد الفريق الدكتور سعد معن، رئيس لجنة الاعلام الأمني أن اللجنة ستعمل على رصد ومتابعة الخطابات التي تحمل مضامين تحريضية ذات طابع طائفي أو إثني أو عرقي وفق الأطر القانونية المعتمدة، بما يسهم في الحد من الخطاب المحرض على الكراهية ودعم الأمن المجتمعي وترسيخ الوحدة الوطنية.

وفي أوائل شهر أيلول الجاري، أعلنت هيئة الإعلام الأمني عن تشكيل لجنة متخصصة لرصد ومتابعة خطاب الكراهية والمنشورات ذات الطابع الإثني والعرقي والطائفي في العراق.

إن تلك اللجنة من وجهة نظر باحثين ومهتمين بتحليل مضامين الخطاب الدعائي ، بالرغم من أهميتها وما تلعبه من أدوار، وما تبحثه من موضوعات غاية في الأهمية تتعلق بمتابعة وتحليل مضامين الخطاب الطائفي المتجذر حاليا في العراق وكيفية مواجهة إمتداداته وإرتداداته على الداخل العراقي، فإن تلك اللجنة تبقى تواجه تحديات كثيرة،  أبرزها أنها ستواجه كما هائلا من الخطابات السياسية المتعددة التوجهات والمضامين ، وتتركز في مناطق سكانية كثيفة ووسط إنتشار إعلامي للفضائيات ولوسائل التواصل الإجتماعي ، ما يجعل مهمتها أكثر صعوبة وأكثر تعقيدا ، كونها تحتاج الى أعداد كبيرة من الباحثين والمهتمين بالشأن الدعائي والملمين بدراسات ومضامين الدعاية والحرب النفسية ، وهي في هذه الحالة ستحتاج الى أعداد كبيرة ممن يتولون مهمة الرصد الدعائي المختلفة من فضائيات واذاعات ووسائل تواصل إجتماعي متعددة الأشكال هي الأخرى ، ممن لديهم خبرات في جمع المعلومات ، ويواجه العاملون في حقول الانصات والمتابعة للخطاب الطائفي في هذه الحالة أنهم سيعانون كثيرا في رصد كل هذا الكم الهائل من موجات الخطاب المتعدد الأشكال والتوجهات على مدار الـ 24 ساعة يوميا ، والتي ليس بمقدور لجنة بهذا المستوى الامني والدعائي أن تكون وحدها قادرة على القيام بتلك المهمة ، إن لم تعينها مراكز بحثية متقدمة ليست منحازة لجهات سياسية وممن هي أقرب الى الإستقلالية، ليكون منهجها واقعيا في البحث العلمي،ولا تتدخل الإنحيازات في تقييم مضامين الخطاب الطائفي بوجه عام دون النظر لطبيعة المحافظات التي يخرج منها هذا النوع من الخطابات التحريضية، بالرغم من أن بغداد لها الحصة  الأكبر من حيث إنتشار ميدان هذا الخطاب كونها العاصمة الأكثر أهمية ، والميدان الجغرافي السكاني الأوسع كثافة وإنتشارا ، وتضم أطيافا من مختلف المحافظات العراقية ، وفيها كل دوائر الدولة العليا ووسائل الإعلام ونخبه والجهات التي تعمل لحسابها، والبعثات الدبلوماسية والجهات الدولية المختلفة التي تتوجد على أرضها ، وتكاد  محافظة بغداد هي من تحظى بالأهمية عند قياس آثار وتوجهات الرأي العام وما يرافقه من خطابات متعددة، يغلب عليها التوجهات الطائفية والمذهبية ، كونها الساحة التي تنطلق منها أبواق الدعايات المضادة من جهات متعددة ، كل له توجهاته ومضامينه وأهدافه ، لذا ينبغي التركيز على مدن العاصمة بغداد أولا، على أنها البؤرة الأكثر إنتشارا لميدان الخطاب الطائفي، وهي ميدان صراعات السياسة وزعماء الاحزاب والكتل النيابية ،وفيها تتركز وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي، وتكون الميدان الخصب لإثارة توجهات من الخطاب ربما لايتسق في مضامينه مع توجهات بناء دولة ينبغي أن تحافظ على النسيج المجتمعي والتعايش السلمي،وتوفر العيش الآمن للجميع ، ومن تلك المكانة والأهمية فإن بغداد هي مركز الثقل الذي تبنى عليه السياسات والأجندة ومواقع حركة الاحزاب والقوى السياسية ومختلف أطياف الشعب العراقي التي تتعايش في ربوعه ومن كوادر ونخب وطبقات شعبية مختلفة .

ومن وجهة نظر باحثين ومهتمين بتحليل مضامين الخطاب الطائفي التحريضي فإن العراق يعد على خلاف أكثر الدول العربية ودول المنطقة ، من أكثر البلدان التي تعيش  وجود أزمات خطابات متعددة الأشكال والمضامين والتوجهات والأهداف، وليس خطابا وطنيا واحدا ، حيث يواجه هذا البلد مشكلات متعددة أبرزها تعدد الولاءات الداخلية والخارجية ، في وقت تتصاعد أبواق تلك الخطابات وتتعدد أغراضها وتوجهاتها ، وتتأجج  منابرها وتوجهاتها الدعائية المثيرة للغرائز والإنفعالات السلبية ، وعلى وجه التحديد في المناسبات الدينية ، وعندما يشتد أوار الحروب في المنطقة ومنها الحرب الأمريكية الإيرانية ، التي تركت حالات إنقسام كبيرة داخل أوساط الرأي العام العراقي ، وحتى على صعيد عربي، وإن كانت بدرجات أخف وأقل توترا وعنفا مما يجري في العراق.

وسنحاول في هذا الإستعراض لأسباب ودوافع بروز وطغيان الخطاب الطائفي أن نحدد ملامح ظهور هذا الخطاب وكيف يتأجج بين فترة وأخرى ، وأساليب مواجهته ، بالرغم من أن العراق لم يشهد قبل عقود نماذج مرعبة من هذا الخطاب مثلما هو عليه الان. 

وتعود أسباب هذا التدهور في لغة الخطاب الطائفي الى جملة أسباب ومظاهر ومؤشرات يمكن إدراجها على الشكل التالي:

1.الإنقسامات المجتمعية الطائفية والعرقية والأتينية التي شهدها العراق بعد عام 2003 ، وظهور قوى سياسية  وأحزابا وحركات مختلفة، تجاوز عددها العشرات بل المئات، إعتاشت كثيرا على الولاءات الطائفية والمذهبية والعرقية لعقود، نجم عنها بروز خطابات متعددة الاشكال والتوجهات  والولاءات ، ولا جامع بينها أحيانا ، وإذا بها هي من تؤجج هذا النوع من الخطاب التحريضي وتثير سلوكيات العنف الطائفي الذي ترافقه لغة خطاب عدائية، تنزل احيانا الى مرحلة الإنحطاط في التعبير عن توجهاتها ، وتحاول قدر الإمكان النبش بين آثار الماضي وصراعاته الدينية منذ فترة ما بعد عهود الإسلام الأولى، ليكون العامل التاريخي الأكثر قدرة على تأجيج عناصر الإختلاف والتوتر والإحتراب ، فما يزال تاريخ العراق في عهوده الإسلامية الأولى ، مصدر تنافر في التوجهات والأهداف والمضامين، وتكاد نيرانه تندلع بين فترة وأخرى ، وتحميل الاجيال الحالية ظلما مسؤولية ماحدث قبل قرون من التاريخ ، ليعاد تسويق مضامين خطابات مغذية لحالة العداء والتنافر والاختلاف وربما الكراهية،وحتى التناقض والتنافر في العقائد داخل الدين الواحد أو الطائفة الواحدة ، وهو ما يجعل من أمر السيطرة عليه  وضبطه يواجه صعوبات جمة في أغلب الأحيان، بالرغم من التهديد بالعقوبات التي تصدر بين الحين والآخر عن مجلس القضاء الاعلى ومن جهات أمنية مهتمة بالأمن المجتمعي ، في سعيها للجم محاولات تمزيق وحدة العراق الوطنية ونسيجه الإجتماعي الذي كان متماسكا منذ قرون، وإذا به يتصدع بين آونة وأخرى كلما أثارت بعض الجهات التي يهمها تأجيج الخطاب الطائفي خدمة لأغراضها السياسية في كسب المزيد من الولاء من جماعاتها والسير بإتجاه الشد المجتمعي الطائفي لكي يلتف حولها،  كلما وجدت أن الساحة السياسية تشهد حالات إبتعاد عن مثل هذه التوجهات أو عزوفا عن الميل للأحزاب السياسية التي خسرت نفوذها الجماهيري، أو وجدت أن الساحة العراقية تشهد حالات تباعد وإفتراق ضد توجهات من هذا النوع ، سئمت منها ومن تأثيراتها الكارثية التي رأت أنها سارت في غير صالحها على أكثر تقدير.

2.التماهل والتساهل في التعامل مع بعض مروجي الخطاب الطائفي ، و(الإنتقائية) السائدة عند إختيار نماذج الخطاب المتطرف أو الخارج عن القانون ، وقد تكون حتى الجهات القضائية والأمنية لديها توجس من غضب الجهات المسيطرة على الحكم والنفوذ السياسي والديني في العراق، ما يجعل أمر مواجهة مثل تلك الإنزلاقات تواجه مشاكل ومصاعب ، وربما تتخلى بعض الجهات المسؤولة عن مواجهة الخطاب الطائفي في فترات مختلفة وعدم محاسبة تلك الجهات ، كونها منحت لنفسها (حصانة) وهي ترى نفسها فوق الجميع وفوق القانون والنظام ، وحتى إذا ما حوسبت فهي على إعتقاد بأنها لن تواجه أحكاما قاسية وربما تكون محاسبتها نادرة أو في أضيق نطاق،ويفرج عنها في غضون ساعات،وحدثت نماذج من هذا النوع في سنوات سابقة وإمتدت الى عصرنا الحالي. ويرى المواطن العراقي أن الحالة الإنتقائية التي أشرنا اليها عند تطبيق القوانين والتعليمات لاتسري بطريقة متساوية على الجميع ، ولهذا ترى القوى المتنفذة أنها في مأمن من المحاسبة أو العقاب ، أو أنها تعتقد أنها خارج نطاق المحاسبة أصلا ، كونها تهدد حتى الجهات الأمنية والقضائية التي تمتد اليها لتوقف زحفها في الشارع العراقي ، وبخاصة خلال فترة المناسبات الدينية المهمة في محرم وعاشوراء التي تشهد حالات عنف وخطاب كراهية يستعر أواره منذ سنوات ولم تتوقف نيرانه حتى الان ، برغم مرور أكثر من عشرين عاما على سير العراق بإتجاه النظام الديمقراطي التعددي وسعيه لتحقيق الإستقرار الآمن للجميع  وتطبيق القانون وإيقاف محاولات الإنقسام المجتمعي عند حدودها الدنيا، وسعيه لبناء دولة القانون والنظام، لكي لايتسع نطاقها الى مديات خطيرة، وتجد أغلب مروجي الفتنة الطائفية وهم خارج دائرة المحاسبة للاسباب التي أشرنا اليها في هذا العرض.

3.ربما تعد فترات الانتخابات البرلمانية وإنتخابات مجالس المحافظات المناسبة الأخرى التي يتم فيها ترويج الخطاب الطائفي الى أقصاه ، وترى الحملات الصاخبة والتصعيد الطائفي ضد الآخر من مختلف المكونات العراقية واضحا وجليا ، وتصل حد إستهداف الآخر جسديا وتصفيته ، وحدثت أمثلة كثيرة خلال فترات الإنتخابات البرلمانية السابقة ، ادت الى مقتل وجرح العديد من المواطنين في مناطق مختلفة من العراق .

4.يكون لحملة السلاح ومن يمتلكون الثراء الفاحش من بعض رموز العملية السياسية هم أدوات تقف خلف هذا التحريض ، وتجدهم وهم يزرعون حالات الرعب لدى المواطنين في الانتخابات وفي المناسبات ذات الطابع الديني ، وترى إثارة الغرائز والأحقاد وهي في أوجها ، حيث تبرز الشعارات والاتهامات لكل طرف بانه الجهة التي ينبغي أن تستهدف أو يصادر حقها في التعبير عن رؤاها وآمالها في أن يكون لها حق المشاركة الفعلية في إتخاذ القرار، وإن الإدعاء المستمر بالأغلبية والتمسك بها على طول الخط هو من يؤدي الى تأجيج المشاعر السلبية وتصاعد مظاهر العنف المجتمعي في مناسبات كثيرة.

5.وتكون البرامج الحوارية للقنوات التلفزيونية ووسائل التواصل الإجتماعي في أغلب الأحيان الساحة الرحبة التي ينشط فيها الخطاب الطائفي وتتسع مدياته بين ضيوف البرامج السياسية وتصل الأمور الى حد تأجيج الشارع العراقي من خلال البرامج الحوارية في الفضائيات لكي ينساق وراء توجهات من هذا النوع،  وأحيانا تكون الأمور خارج دائرة القدرة على السيطرة من قبل من يدير تلك الحوارات، ويصعب أحيانا وقف توجهات بعض الضيوف الذين تستضيفهم في برامجها ، بالرغم من أن البعض يقيس إنتشار برنامجه بالقدرة التي يستطيع من خلالها الحصول على أعلى أرقام المتابعة وشد الأنظار للغة السباب والشتائم ، وما يثار من ضجيج يحاول بعض الضيوف ممن يظهرون بصفة (محللين سياسيين) أو مراكز بحثية فرض وجهات نظرهم عنوة على الكثير من البرامج الحوارية، وكأن الآخرين ليس من حقهم الرد عليهم وعلى ما يسعون لعرضه من وجهات نظر تسبب مشاعر عدائية لايتقبلها الشارع العراقي ولا تنسجم مع أمنيات العراقيين ،بأن تتم مغادرة محاولات إثارة للفتن والنعرات الطائفية التي يرون فيها أنها واحدة من أكثر ما عرض المجتمع العراقي الى خسائر بشرية وضحايا وكوارث إجتماعية عانى منها المجتمع العراقي منذ ثلاثة عقود دون أن نجد من يوقف زحفها حتى الان.

6.وحتى على صعيد العقوبات التي ترصدها هيئة الاتصالات على القنوات الفضائية وعلى بعض الضيوف ، فهي تركز على معاقبة القنوات الفضائية ومحاوريها أكثر من إستهدافها لمن يروج للخطاب الطائفي من ضيوف تلك القنوات أو حتى من رجال الدين ممن لديهم برامج ومنابر خاصة ، حتى أشاعت مظاهر غضب وسخط على عقوبات ثقيلة الوطأة على الكثير من مقدمي برامج فضائيات لاذنب في كثير منهم في إثارة الخطاب الطائفي ، بل أن ضيوفهم هم من يمعنون عن قصد إثارة الإنقسام المجتمعي ، وهم يدركون ان لا أحد بمقدوره وقف توجهاتهم في تغذية الخطاب الطائفي أو الديني أو حتى السياسي المختلف التوجهات ، وهم (محميون) في حالات ترويجهم للخطاب الطائفي من ضيوف تلك القنوات حتى أشاعت مظاهر غضب وسخط على عقوبات ثقيلة الوطأة على الكثير من مقدمي برامج لاذنب في كثير منهم في إثارة الخطاب الطائفي، بل أن ضيوفهم هم من يمعنون عن قصد إثارة الإنقسام المجتمعي والخطاب التحريضي ، وهم يدركون ان لا أحد بمقدوره وقف توجهاتهم في تغذية الخطاب الطائفي أو الديني أو حتى السياسي المختلف التوجهات ، في وقت (ينصب) بعض ضيوف البرامج من القوى السياسية النافذة أنفسهم (أوصياء) على الآخرين ، ويمارسون لغة التهديد والوعيد ضد كل من يخالف وجهات نظرهم أو يبدي رأيا يرى أن غالبية العراقيين تنسجم مع توجهات من هذ النوع تبتعد قدر الإمكان عن إثارة المشاعر السلبية والشحناء والغضب التي تنجم عتها مخاطر تهدد النسيج المجتمعي الذي يعاني من أزمات كثيرة ، وتأتي محاولات إثارة الخطاب الطائفي لتزيده إحتقانا وإستعار نيرانه المؤججة في مناسبات كثيرة، ومن المؤسف أن أغلب محللي البرامج الحوارية هم أنفسهم من يظهرون على الفضائيات كل إسبوع وبين يوم وآخر وحتى بين ساعة وأخرى وكأن لا أحد غيرهم له الحق في أن ينور الرأي العام العراقي بتطورات الأحداث أو له الحق بتفسير ظواهرها ومظاهرها بعملية بعيدة عن اللف والدوران ، كون المبررات التي يطرحها المحللون الذين تتكرر لقاءاتهم في البرامج  الحوارية للفضائيات وكأنها واحدة لاتفرق بين محلل وآخر في التوجهات والمضامين وحتى الولاءات الخارجية والداخلية.

7.أن النخب العراقية المثقفة البعيدة عن التوجهات الدينية والطائفية تواجه هي الأخرى مصاعب في محاربة سلوكيات وممارسات الخطاب الطائفي، وكلما حاولت الإبتعاد عن الإنغملس بين أتونه واجهت جهات أخرى تعيد تغذية مشاعره السلبية بإتجاهات الحصول على شد أنظار من يدينون لهم بالولاء أو حتى ممن هم يخالفونهم الرؤية علهم ينساقون مع تلك الممارسات الطائفية ويدخلوا ضمن مخطط الإستحواذ على الجمع المؤدلج في الإتجاهات الطائفية لكي يكون هو الأكثر قدرة على فرض نفسه ورؤاه على الآخرين شاءوا أم أبوا، دون أي إهتمام لما تنجم عن تأثيراته السلبية من مخاطر جمة على الرأي العام العراقي الرافض للإنغماس في توجهات تثير مشاعر البغضاء والكراهية بين مكونات الشعب العراقي.

8.تجد بعض الأحزاب السياسية الدينية وحتى من ذوي التوجهات القومية المناهضة للتوجهات الدينية أن جماهيرتها تعتمد أساسا على الشد الطائفي والقومي والعنصري ، كونها الوسيلة الأمثل للكسب ولمحاولة إبقاء جمهورها يلهث وراءها ويتلقف توجهاتها ، وتجد في إثارة مشاعر الجمهور السلبية الوسيلة الأمثل لمعرفة قدرتها على التأثير وعلى أنها تحافظ على بقايا جمهورها من أن يتعرض للإنقسام والتشتت والإبتعاد عنها بعد أن خبر ممارساتها ونهجها الطائفي البغيض الذي لم يقبض منه العراقيون سوى الالام والنكبات، وشعور بان المستقبل ما تزال تهدده مخاطر كثيرة يجعل من أمر مواجهة تداعيتها أمر صعب للغاية بسبب تعقيدات المشهد السياسي العراقي وتعدد حالات الولاء للجهات الداخلية والخارجية ، وربما يكون الولاء للخارج هو الأخطر والأكثر قدرة على غرس حالات الرعب والإنقسام بين المجتمع العراقي وأطيافه ، وتعريض وحدته لمخاطر التشرذم والإنقسام.

     9 .وتبقى القوانين والتعليمات الصادرة عن الجهات القضائية والأمنية قاصرة في كل الأحوال عن مواجهة تداعيات تلك الإثارات المتعددة في الخطاب الطائفي المفرط في الحساسية ضد الطرف الآخر ، ويتخوف الشارع العراقي ربما من أن جهات أو مكونات بعينها هي من تسري عليها تلك القوانين الصارمة والعقوبات المشددة التي يدخل بعضها ضمن تعريف الإرهاب لتكون هي الضحية ، بينما لم يشمل جهات أخرى تطبيق تلك القوانين الا ما ندر وفي أضيق نطاق ، ما ييسر أمام الجهات المتصيدة في المياه العكرة أن تنفذ رغباتها في التحريض والتأجيج الطائفي طالما أنها مقتنعة أن هناك قوى متنفذة وربما جماعات مسلحة تقف خلفها وهي من تحميها وتنقذها عندما يتم إتهامها ، هذا إن توجه لها الإتهام أصلا ، فهي ترى نفسها أنها فوق القانون والمجتمع والقيم ، وليس بمقدور أية جهة قضائية أو أمنية أن تحجم من دورها وما تريد تحقيقه من أهداف وأجندة وتوجهات.

10.إن تعميم صفة (القدسية) ومنح (الحصانة) لبعض الجماعات المسلحة أو الجهات السياسية المتنفذة أو بعض الجهات المحسوبة على الأجهزة الأمنية وهي ليست من مهامها الفعلية محاسبة الآخرين أو إعتقالهم ، هو من يشجعها في التمادي في الوقوع في مختلف السلوكيات الفوقية التي تنظر الى الآخر بإستهانة ولامبالاة، وكأنها منزلة من السماء ولها حق (الوصاية) في أن تفرض قوتها بنفسها على الآخرين ، وهي من تطبق القانون على من يقع فريسة لإستهدافها ، وهي قد أوصلت الكثيرين الى قناعة بأن أمر محاسبتها أقرب الى المستحيلات ، ربما إلا في حالات إستثنائية صغيرة ومستضعفة ، يراد من خلال معاقبتها إشاعة مفهوم أن القانون فوق الجميع.

وما يمكن الإشارة اليه في خاتمة هذا الإستعراض أن الخطاب الطائفي لن يتوقف نيرانه وتبقى تستعر بين وقت وآخر ، لأنها إنغرست بين توجهات معينة داخل جمهور القوى السياسية وقياداتها ، وهي من غذتها ووجدت فيها المناخ الأفضل ليبقى جمهورها يلهث ورائها ويردد مشاعر الحقد والبغضاء ، لكي تغذي عوامل الإنقسام والتنافر بين المجتمع العراقي، وربما لن يكون بمقدور أقسى العقوبات وقف تداعياتها، ما دامت تلك الجهات تدرك أن (الإنتقائية) في مضامين وقوة العقوبات هي من تشكل لها المجال الرحب لكي تنشط كلما وجدت أن الساحة مفتوحة على مصراعيها لكي تنشر خطابها المؤدلج والمثير للنعرات الطائفية، كونه السبيل الأمثل لتلك القوى المتحكمة في السيطرة على مقدرات البلد وفق أهوائها وأمزجتها،وتجد في القوى المتمترسة خلفها وسيلة فعالة للإستمرار في تغذية العنف الطائفي الى أقصاه ، وبخاصة خلال فترات المناسبات الدينية وحتى السياسية التي تفرق بين العراقيين من خلال تغليب لغة الأغلبيات والأقليات التي تشعر الآخرين أنهم من الدرجات الثالثة والرابعة وربما الخامسة من الإهتمام.

وفي كل الأحوال فإن الواجب الوطني والقيمي والاخلاقي يستدعي أن يشارك مختصون وأكاديميون على درجة عالية من الخبرة والكفاءة والاحتراف والإتقان، وممن لديهم الإلمام بتحليل مضامين وتوجهات الرأي العام وسبل مواجهة الدعاية والحرب النفسية ، من أساتذة مشهود لهم بالخبرة والكفاءة ومن إعلاميين محترفين في سبر أغوار تاثيرات الخطاب الطائفي السلبية ، في جهد مواز لجهود اللجان العليا للأجهزة الأمنية والإستخبارية وحتى العسكرية التي لديها خبرات مهمة هي الأخرى ، للإطلاع عليها والإستفادة من ملاحظاتها ومقترحاتها، لوضع نقاط ومؤشرات لدراسات تحليل عملية وواقعية ، من أجل مواجهة الخطاب الطائفي وكل أساليب الخطاب المتطرف والدعاية السوداء، بأساليب مبتكرة وواقعية ، ولدينا كفاءات عراقية أمنية وإعلامية ونفسية وإدارية كانت في سنوات سابقة قد أبدعت في هذا المجال ، ومنهم قدرات شبابية جديدة لديها القدرة على الإسهام في متابعة وتحليل توجهات الخطاب الطائفي وسبل وقف تداعياته الكارثية على المجتمع العراقي

مكة المكرمة