سلطة رابعة…. ابتزاز مستمر

الرابط المختصرhttps://www.ashurnews.com/?p=61513

سلطة رابعة…. ابتزاز مستمر

Linkedin
Google plus
whatsapp
10 سبتمبر , 2026 - 1:41 ص

سلطة رابعة…. ابتزاز مستمر

كتب: مهند محمود شوقي

لم يكن الإعلام العراقي بعد عام 2003 مجرد قطاع مهني جديد، بل كان أحد أكثر المجالات التي عكست التحولات التي شهدها العراق. فمع انتهاء احتكار الإعلام الرسمي، ظهرت عشرات القنوات والصحف والمواقع والإذاعات، وتوسعت مساحة التعبير، ودخلت إلى المشهد مؤسسات مرتبطة بأحزاب وقوى سياسية وشخصيات اقتصادية، داخل العراق وخارجه.

كان ذلك في بدايته تحولاً مهماً من إعلام الصوت الواحد إلى إعلام متعدد الأصوات. لكن مع اتساع المشهد بدأ سؤال آخر يفرض نفسه: من يمول هذه المؤسسات؟ ومن يملكها؟ وهل تستطيع أن تحافظ على استقلالها عندما تتقاطع مصالحها مع السياسة والمال؟

وقبل الحديث عن الخلل، لا بد من إنصاف آلاف الإعلاميين الذين يعملون في ظروف صعبة وبرواتب محدودة، وبعضهم لا يحصل إلا على مقابل رمزي لا يتناسب مع ساعات العمل وحجم المسؤولية والمخاطر. هؤلاء لا يمكن وضعهم في الخانة نفسها مع من دخل الإعلام بحثاً عن النفوذ والثروة والاقتراب من مراكز القرار.

فالإعلامي الذي يقضي يومه في الميدان، يلاحق خبراً أو يصور تقريراً، ثم يعود إلى منزله براتب متواضع، ليس هو نفسه من جعل من المهنة وسيلة لبناء شبكة من العلاقات والمصالح. الأول يعمل من أجل مهنته ورزقه، والثاني قد يستخدم المهنة للوصول إلى ما هو أبعد منها.

وهنا لا تكمن المشكلة في أن ينجح الصحفي أو تتحسن أوضاعه المالية؛ فهذا حق طبيعي. المشكلة تبدأ عندما يتحول المال والنفوذ إلى جزء من صناعة المحتوى، أو عندما تصبح العلاقات السياسية والاقتصادية مصدراً لقوة المنبر الإعلامي.

وبعبارة أكثر وضوحاً: هناك إعلام يعيش من مهنته، وإعلام يعيش على مهنته.

الأول يمثل الغالبية التي تستحق الحماية والإنصاف، أما الثاني فهو الذي يسيء إلى المهنة عندما يحولها إلى أداة للمساومة أو الضغط.

هذه الظاهرة لم تظهر من فراغ. فالبيئة السياسية التي تشكلت بعد 2003 أنتجت انقسامات واسعة، وكل قوة سياسية احتاجت إلى منبر يدافع عنها ويشرح مواقفها ويواجه خصومها. ومع الوقت أصبح بعض الإعلام جزءاً من الصراع السياسي، بدلاً من أن يكون مراقباً له.

ثم جاءت الانتخابات لتزيد هذا التداخل. فمع كل دورة انتخابية ترتفع قيمة الظهور الإعلامي والإعلان السياسي، وتدخل الأموال إلى السوق الإعلامية، وقد يصبح حجم الإنفاق والعلاقات عاملاً في تحديد مساحة الحضور أكثر من قيمة ما يقدمه المرشح.

المشكلة هنا ليست في الإعلان السياسي بحد ذاته، وإنما عندما لا يعرف الجمهور أين ينتهي الإعلان ويبدأ الخبر، وأين ينتهي الرأي وتبدأ الدعاية.

ومن هذه البيئة ظهر شكل أكثر خطورة من استغلال الإعلام: الابتزاز.

فالابتزاز الإعلامي ليس بالضرورة أن يكون طلباً مباشراً للمال مقابل عدم النشر. أحياناً يبدأ بمعلومة حقيقية أو جزئية، ثم تتحول إلى خبر، ثم إلى سلسلة منشورات وحملات، ويتسع نطاقها حتى يجد الشخص المستهدف نفسه تحت ضغط متواصل.

وهنا يجب التفريق بين الصحافة والابتزاز.

الصحفي الذي يمتلك وثائق عن فساد ويتحقق منها وينشرها للرأي العام يؤدي وظيفته. أما من يستخدم ما لديه من معلومات للتهديد أو طلب منفعة أو عقد صفقة، فهو لا يمارس الصحافة حتى لو حدث ذلك من خلال موقع أو قناة أو حساب يحمل صفة إعلامية.

المشكلة أن هذه الممارسات لا تضر الشخص المستهدف فقط، بل تضر الصحفي المهني أيضاً. فهي تجعل الجمهور يشك في كل حملة وكل خبر، وتضع العاملين في المهنة أمام صورة واحدة، رغم الفارق الكبير بين من يعمل بأدوات مهنية ومن يبحث عن النفوذ.

ولهذا يصبح المال أحد الأسئلة الأساسية في الإعلام العراقي. ليس لأن الصحافة يجب أن تعمل بلا تمويل، فهذا مستحيل، وإنما لأن الجمهور من حقه أن يعرف من يملك المؤسسة ومن يمولها، خصوصاً عندما تكون الجهة الممولة مرتبطة بالمجال الذي تغطيه المؤسسة.

الأمر نفسه ينطبق على المؤسسات التي تعمل من خارج العراق. فمكان المؤسسة لا يحدد مهنيتها، كما أن وجودها خارج البلاد ليس دليلاً على ارتباطها بأجندة معينة. السؤال الأهم هو طبيعة التمويل، واستقلال القرار التحريري، والعلاقة بين المصلحة السياسية والمحتوى.

ولهذا يجب أن نتعامل مع هذا الملف بحذر، بعيداً عن التخوين. فاتهام مؤسسة أو صحفي بالارتباط بجهة سياسية أو خارجية يحتاج إلى دليل، وليس إلى انطباع.

أما الرقابة، فلا ينبغي أن تعني مراقبة الآراء أو إسكات الأصوات الناقدة. الصحافة تحتاج إلى مساحة واسعة من الحرية حتى تقوم بدورها، خصوصاً في مجتمع يعيش صراعات سياسية واجتماعية معقدة.

لكن الحرية لا تعني أن يصبح المنبر الإعلامي فوق القانون.

هناك فرق بين نشر معلومة موثقة، وبين التهديد بالنشر. وبين التحقيق الصحفي، وبين استخدام المعلومات للحصول على المال. وبين انتقاد مسؤول، وبين استهداف شخص بهدف الضغط عليه.

وهنا يجب أن تكون المساءلة قانونية وعادلة، لا انتقائية ولا مسيسة. فالصحفي يحتاج إلى حماية من التهديد والاعتداء، لكنه في المقابل لا ينبغي أن يتحول إلى طرف محصن عندما يثبت استخدامه المهنة لتحقيق منفعة غير مشروعة.

ولا تقع المسؤولية على الصحفي وحده. المؤسسات الإعلامية نفسها مطالبة بأن تكون أكثر وضوحاً في ملكيتها وتمويلها، وأن تفصل بين الإعلان والتحرير، وأن تمنح حق الرد، وأن تصحح أخطاءها عندما تقع فيها. كما أن الجمهور له دور في ذلك، لأن انتشار الشائعة والمعلومة غير الموثقة لا يتم من خلال المؤسسات وحدها، بل من خلال آلاف المشاركات اليومية على المنصات الرقمية.

لهذا فإن المشكلة ليست في كثرة القنوات والمواقع، كما قد يبدو للوهلة الأولى. التعدد الإعلامي مكسب للعراق، والمطلوب ليس تقليصه، وإنما تنظيم البيئة التي يعمل فيها.

نحتاج إلى إعلام متعدد، لكن أكثر شفافية. وإلى صحافة حرة، لكن مهنية. وإلى صحفي يستطيع أن ينتقد الحكومة والسياسي ورجل الأعمال، وفي الوقت نفسه يعرف أن المهنة ليست غطاءً للمساومة أو التهديد.

والأهم ألا نخلط بين من دفع ثمناً حقيقياً من أجل الصحافة، ومن اكتشف في الصحافة طريقاً إلى النفوذ.

فالصحافة العراقية قدمت شهداء وصحفيين عملوا في الحروب والإرهاب والاحتجاجات وفي أكثر الأماكن خطورة، وكان هدفهم أن يعرف الناس ما يحدث. هؤلاء يمثلون المعنى الحقيقي للمهنة، ولا يجوز أن تحجب صورتهم ممارسات فئة اختارت أن تتعامل مع الإعلام باعتباره سلماً للصعود السياسي والمالي.

الإعلام في النهاية ليس سلطة على الناس، بل سلطة رقابية على من يملك السلطة.

وعندما تتحول المعلومة إلى ورقة ضغط، ويصبح نشرها أو حجبها جزءاً من صفقة، تفقد الصحافة أهم ما تملكه: ثقة الجمهور.

لذلك فإن إصلاح الإعلام لا يبدأ بإسكات المنابر، وإنما بإعادة الاعتبار للمهنة نفسها، وحماية الصحفي الذي يعمل بصدق، وكشف تضارب المصالح، وتعزيز الشفافية، ومحاسبة من يثبت استخدامه الإعلام للابتزاز أو لتحقيق مصالح غير مشروعة.

مكة المكرمة