الجنوب الليبي في ميزان القوة  ..”بين نفوذ القيادة العامة ومحدودية حضور سلطات طرابلس..من يحمي المنشآت والثروات؟”

الرابط المختصرhttps://www.ashurnews.com/?p=61910

الجنوب الليبي في ميزان القوة  ..”بين نفوذ القيادة العامة ومحدودية حضور سلطات طرابلس..من يحمي المنشآت والثروات؟”

Linkedin
Google plus
whatsapp
21 أكتوبر , 2026 - 3:57 م

/آشور- لماذا الجنوب الليبي تحديداً؟ ومن يمتلك القدرة الفعلية على حماية حدوده الاستراتيجية وتأمين ثرواته؟ وهل تستطيع التحركات العسكرية أن تعيد رسم موازين القوة في ليبيا، أم أن غياب التوافق السياسي سيُبقي البلاد أسيرة انقسام تتوزع فيه الشرعية بين مؤسسات، والسيطرة الميدانية بين قوى عسكرية متنافسة؟

هذه التساؤلات يطرحها ناصر عمار، آمر قوة الإسناد بعملية «بركان الغضب»، في قراءة للمشهد الليبي تضع الجنوب في قلب معادلة السيادة والنفوذ، وتفتح النقاش بشأن دور القيادة العامة بالرجمة، وموقع رئيس أركان القوات البرية صدام حفتر، ومسؤولية السلطات الموجودة في طرابلس عن إدارة المناطق الحدودية.

وبحسب عمار، فإن الجنوب ليس مجرد ورقة للمساومة السياسية أو ساحة للصراع على الشرعية بين الشرق والغرب، بل هو التزام وطني تتحدد أهميته بقدرته على حماية وحدة البلاد وثرواتها. ويرى أن الإقليم، بما يمتلكه من عمق جغرافي وموارد استراتيجية، يحتاج إلى رؤية وطنية موحدة تتجاوز التجاذبات الضيقة، وتضع حداً للتهميش الذي تعانيه مناطقه.

خارطة النفوذ تبدأ من الحدود

يعتبر عمار أن القوات التابعة للقيادة العامة بالرجمة تفرض سيطرة ميدانية فعلية على جزء كبير من الشريط الحدودي الجنوبي، مع امتداد نفوذها عبر مناطق واسعة من فزان والجنوب الشرقي.

وفي المناطق الغربية، من الحدود الجزائرية وصولاً إلى غات، يشير إلى انتشار وحدات تابعة للقيادة العامة لمراقبة المسالك الصحراوية ومكافحة التهريب وتأمين المنشآت النفطية، بما في ذلك حقلا الشرارة والفيل.

أما في الاتجاه الشرقي، فتبرز منطقة الكفرة العسكرية وتشكيلات مثل «سبل السلام» واللواء 128، التي يشير عمار إلى دورها في مراقبة المثلث الحدودي مع مصر والسودان وتشاد، وهي منطقة تكتسب أهمية إضافية بسبب التوترات الأمنية التي تشهدها دول الجوار، ولا سيما السودان وتشاد.

وتمنح هذه الجغرافيا الجنوب أهمية تتجاوز الحسابات المحلية، إذ تتصل حماية حدوده بمكافحة التهريب ومراقبة حركة العبور وتأمين المنشآت الحيوية، فضلاً عن التعامل مع التداعيات المحتملة للأزمات الإقليمية.

ومن هذا المنطلق، يرى عمار أن تقييم السيطرة على الجنوب ينبغي أن يستند إلى واقع الانتشار العسكري وقدرة القوات على أداء مهامها، لا إلى التصريحات السياسية وحدها.

صدام حفتر ورسائل الجاهزية

في قلب هذه المعادلة، يبرز دور صدام حفتر، رئيس أركان القوات البرية، الذي يربط عمار تحركاته وزياراته ومناوراته العسكرية في الجنوب بإظهار الحضور الميداني للقيادة العامة وتعزيز معنويات القوات المرابطة في المناطق الحدودية.

ويقرأ عمار هذه التحركات، التي أشار إلى وقوعها خلال اليومين السابقين لطرحه، باعتبارها رسالة إلى الداخل والخارج تؤكد تمسك القيادة العامة بنفوذها في مناطق واسعة من الجنوب، وقدرتها على متابعة القوات المنتشرة في هذه المساحات.

لكن أهمية هذه الزيارات، وفق هذا المنظور، لا تقتصر على دلالاتها السياسية؛ فهي تثير أيضاً تساؤلات بشأن مستوى الدعم المعنوي الذي تتلقاه القوات، ومدى انعكاس المتابعة القيادية على رفع التعبئة والجاهزية والكفاءة.

وتظل هذه المسألة مرتبطة بقدرة القيادة على توفير التجهيزات والإمدادات والتدريب والاتصالات، إلى جانب الاهتمام بظروف القوات التي تعمل في مناطق صحراوية شاسعة وبعيدة عن مراكز الخدمات.

طرابلس والرجمة.. ازدواجية القرار

ينتقل عمار من واقع الانتشار العسكري إلى معضلة الشرعية، معتبراً أن المشهد الليبي يعكس انقساماً مؤسسياً وعسكرياً تتوزع فيه أدوات الحكم والنفوذ بين أطراف مختلفة.

فالمجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي يحمل صفة القائد الأعلى للجيش الليبي وفق الترتيبات السياسية القائمة، لكن عمار يرى أن السلطة الفعلية للمجلس تتركز في غرب البلاد، ولا تقابلها سيطرة ميدانية مباشرة مماثلة على المعابر الحدودية الجنوبية.

ويستخدم عمار لغة نقدية حادة في وصف هذا الوضع، متسائلاً عن أسباب محدودية الحضور الميداني للسلطات الموجودة في طرابلس، وكأن الجنوب، في تقديره، لا يحظى بالاهتمام الذي تستوجبه أهميته الاستراتيجية.

أما حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، الذي يتولى وزارة الدفاع، ووكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي، فيشير عمار إلى امتلاكها النفوذ المالي والإداري والقدرة على إدارة ميزانيات الدولة والتحرك في ملفات تطوير منظومات مراقبة الحدود.

غير أنه يثير تساؤلات بشأن الصفقات الكبيرة المرتبطة بهذه المشاريع، ويطرح انتقادات تتعلق بشبهات الفساد والاختلاس. وتظل هذه الاتهامات منسوبة إلى صاحب القراءة، ولا يمكن اعتبارها حقائق قضائية ثابتة من دون أدلة أو تحقيقات موثوقة.

كما يشير عمار إلى تحركات سابقة لقوات تابعة لحكومة الوحدة الوطنية، من بينها اللواء 444 وتشكيلات من غرب ليبيا، باتجاه مناطق قريبة من الشويرف أو غدامس، معتبراً أن هذه التحركات قد تخلق نقاط تماس وتوتر مع قوات القيادة العامة.

من يملك الشرعية ومن يملك الأرض؟

تتبلور المعضلة الأساسية، وفق قراءة عمار، في وجود سلطات تمتلك الشرعية السياسية والدولية والموارد المالية في طرابلس، مقابل قيادة عسكرية تملك، بحسب تقديره، النفوذ الميداني الفعلي في مناطق واسعة من الشرق والجنوب.

وهنا يطرح السؤال الأكثر حساسية: من هو الأقدر على قيادة ليبيا؟ وهل تكفي الشرعية السياسية إذا كانت المؤسسات عاجزة عن فرض حضور ميداني موحد، أم أن السيطرة العسكرية لا تمنح وحدها الحق في حسم مستقبل الدولة؟

وتكشف هذه المفاضلة عن أزمة تتجاوز التنافس بين الأشخاص والمؤسسات، لتصل إلى غياب صيغة وطنية متفق عليها تجمع بين الشرعية والقدرة على التنفيذ والمساءلة.

فاستمرار تعدد مراكز القرار العسكري يجعل حماية الحدود والمناطق النفطية مرتبطة بتوازنات القوى، بدلاً من إخضاعها لاستراتيجية وطنية موحدة تحظى بقبول المؤسسات والمناطق المختلفة.

هل تقود التحركات العسكرية إلى التوحيد أم إلى مواجهة جديدة؟

يطرح عمار تساؤلاً بشأن قدرة الزيارات العسكرية والاستعراضات الميدانية على فرض واقع جديد يقود إلى توحيد البلاد، أو ما إذا كانت ستظل مجرد تعبير عن موازين القوة، في ظل غياب التوافق السياسي الشامل.

وتتصل هذه المخاوف بمناطق استراتيجية مثل غدامس والحقول النفطية والمعابر الحدودية، حيث قد يؤدي تضارب حسابات القوى المتنافسة إلى جولات جديدة من التوتر.

وفي هذا السياق، لا ينفصل مستقبل الجنوب عن مستقبل المؤسسة العسكرية الليبية؛ فالتوحيد لا يتحقق بمجرد انتشار القوات أو تثبيت النفوذ، بل يحتاج إلى اتفاق على القيادة والمسؤوليات وآليات اتخاذ القرار، بما يمنع تحويل المناطق الحيوية إلى ساحات تنافس متكرر.

الجنوب.. ثروة تنتظر استراتيجية وطنية

إلى جانب الأمن والسيطرة، يضع عمار مسألة التنمية في صلب مستقبل الجنوب. فالإقليم لا يختزل في حدوده الصحراوية أو منشآته النفطية، بل يمثل فضاءً اجتماعياً واقتصادياً يحتاج إلى استثمارات وخدمات وفرص عمل تنهي سنوات التهميش.

ويطرح هذا الواقع سؤالاً بشأن مصير المشاريع التنموية والاقتصادية المعلنة: هل تتحول إلى نتائج ملموسة يستفيد منها سكان فزان، أم تبقى رهينة الانقسام السياسي والصراع على من يمثل الدولة ويقود جيشها؟

إن حماية الجنوب، وفق الرؤية التي يعرضها عمار، لا ينبغي أن تقتصر على تأمين المعابر والحقول النفطية، بل يجب أن تشمل بناء استراتيجية متكاملة تحفظ السيادة، وتعزز الاستقرار، وتضمن استفادة السكان من موارد مناطقهم.

وفي المحصلة، يضع الجنوب الليبي الدولة أمام اختبار مزدوج: اختبار القدرة على حماية الحدود والثروات، واختبار القدرة على تجاوز الانقسام بين الشرعية السياسية والسيطرة العسكرية. وبين هذين المسارين، يبقى السؤال مفتوحاً بشأن ما إذا كانت القوى الليبية قادرة على تحويل التنافس على النفوذ إلى مشروع وطني موحد، أم أن الجنوب سيظل ساحة تتجدد فيها معركة الشرعية والقيادة والسيادة.

مكة المكرمة