الثقافة العراقية.. ثراء يبحث عن سياسة

الثقافة العراقية.. ثراء يبحث عن سياسة
الثقافة العراقية.. ثراء يبحث عن سياسة
كتب: منتصر صباح الحسناوي
كثيراً ما وجدتني، خلال عملي في المجال الثقافي، أتساءل عن المسافة بين ما نؤمن بأن الثقافة قادرة على تحقيقه، وما يسمح به واقع العمل المؤسسي.
فكلما بحثنا عن فرصة للتواصل مع العالم، وجدنا أنفسنا أمام حسابات السياسة وقيود الإدارة، حتى بدا أن الثقافة التي نتطلع إليها جسراً بين المجتمعات، يصعب عليها أحياناً تجاوز الحدود التي ترسمها العلاقات بين الحكومات.
ومن هنا يلح عليّ سؤال: كيف تستطيع الثقافة أن تفتح مسارات للتفاهم وهي نفسها لا تستطيع الانفصال عن تبعات الخلافات السياسية؟
أدرك أن الثقافة لا تعيش بمعزلٍ عن السياسة وأن للدولة مصالحها وتوجهاتها، لكن اختزال العلاقات الثقافية في حدود المواقف الرسمية يحرم المجتمعات من فرص قد تكون أكثر استقراراً من العلاقات السياسية نفسها.
فقد تختلف دولتان في مصالحهما، بينما تجمع شعبيهما روابط تاريخية ومعرفية وإنسانية، تستطيع أن تحافظ على قدر من التواصل حتى في أشد مراحل الخلاف.
وللعراق في هذا المجال إمكانات استثنائية تتجاوز ما نعتاد استحضاره من حضارات قديمة وآثار تاريخية إلى تنوعه اللغوي والديني والاجتماعي، وامتداداته الثقافية مع محيطه العربي والإيراني والتركي، فضلاً عن حضوره الإنساني عبر الجاليات والجامعات والمبدعين.
وهي شبكة واسعة من المشتركات والصلات التي يمكن أن تمنحه موقعاً مؤثراً في بيئته الجيوثقافية، إذا أحسن فهمها والتعامل معها بعيداً عن حساسيات التنافس السياسي.
غير أن امتلاك هذا الثراء لا يعني بالضرورة القدرة على توظيفه، فما زلنا نميل إلى تقديم الثقافة من خلال المهرجانات والمؤتمرات والزيارات المتبادلة ونقيس نجاحها بحجم الحضور والتغطية الإعلامية، فيما يغيب السؤال عما يبقى بعدها من علاقات ومشروعات مشتركة.
شهدتُ في العمل الثقافي بدايات واعدة للتعاون، لكنها لم تجد دائماً المتابعة المؤسسية التي تحول اللقاء إلى شراكة مستمرة.
وفي عالم أعادت التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي تشكيل طرق المعرفة والتأثير، لم يعد الحضور الثقافي مرهوناً بالمؤسسات الرسمية أو بالانتقال الجغرافي.
فقد يستطيع مبدع عراقي أن يصل بعمله إلى جمهور عالمي أوسع مما تتيحه فعاليات تقليدية عديدة، لكن هذه الفرص تقابلها تحديات تتعلق بجودة المحتوى ومصداقيته وقدرته على تقديم صورة عن العراق المعاصر تتجاوز ثنائية الأمجاد التاريخية والحروب التي التصقت بصورته الخارجية.
وهنا تبرز الحاجة إلى مراجعة موقع الثقافة في التفكير المؤسسي العراقي، ولا سيما أن تعدد الجهات المعنية وضعف التنسيق بينها، وما تفرضه الإجراءات التقليدية من بطء، يجعل كثيراً من المبادرات رهينة الظروف والأشخاص.
ويمكن لمراكز البحوث والجامعات والمؤسسات الثقافية المستقلة والفنانين والأدباء والعراقيين في الخارج أن يؤدوا دوراً أوسع، بما يمتلكونه من علاقات وخبرات ومرونة في الحركة، ضمن إطار وطني ينسق الجهود دون أن يصادر استقلالها.
ولعل ما يحتاج إليه العراق اليوم “سياسة وطنية للدبلوماسية الثقافية” تحدد أولويات التواصل مع المجتمعات، وتستثمر خصوصية مدنه وتنوعه، وتربط المبادرات الثقافية بأهداف قابلة للتحقق والقياس، بحيث تصبح الثقة المتبادلة واستمرار التعاون معياراً للنجاح، بدلاً من الاكتفاء بعدد الأنشطة والمناسبات.
وأعود هنا إلى السؤال الذي يرافقني في العمل الثقافي: ما جدوى أن نمتلك كل هذا الثراء إذا لم نحسن تحويله إلى علاقات تنفع العراق وتمنح الآخرين فرصة أوسع لمعرفته؟
فالثقافة تستطيع أن تمنح السياسة مساحات جديدة للحركة وربما تحفظ من العلاقات ما تعجز السياسة عن حمايته، لكنها تحتاج أولاً إرادة صاحب القرار وسياسة تدرك قيمتها، وتمنحها من الحرية والثقة ما يكفي لتؤدي دورها.







