أشياء تنتهي فينا قبل أن تنتهي حولنا

الرابط المختصرhttps://www.ashurnews.com/?p=61568

أشياء تنتهي فينا قبل أن تنتهي حولنا

Linkedin
Google plus
whatsapp
13 سبتمبر , 2026 - 1:08 ص

أشياء تنتهي فينا قبل أن تنتهي حولنا

كتبت: د. دعاء يوسف

أغرب ما في بعض النهايات أن صاحبها قد يبقى واقفاً في المكان نفسه، ويمارس كل ما اعتاده، ويحافظ على الأشياء كأنها ما زالت تعنيه بالطريقة ذاتها… بينما يكون قد غادرها من داخله منذ زمن.

كأن الإنسان يعيش أحياناً بين زمنين: جسده في الحاضر، وروحه في مكان آخر.

يستمر، لأن الاستمرار أسهل من الاعتراف بالتغيير. يحافظ على ما كان، ليس دائماً لأنه يريده، وإنما لأن في الذاكرة عهداً قديماً يصعب نقضه. يتذكر كيف أحب، وكيف انتمى، وكم أعطى، وكم انتظر. ثم يكتشف، في لحظة صامتة، أن كل ذلك ما زال في ذاكرته، لكنه لم يعد يسكنه بالطريقة نفسها.

وهنا يبدأ التخلي الحقيقي.

ليس عندما نغادر، وإنما عندما يتغير المعنى.

المكان نفسه، لكن القلب لم يعد يستقبله كما كان. الأشخاص أنفسهم، لكن المسافة داخل الروح اتسعت. التفاصيل لم تتغير، الذي تغير هو الإنسان الذي كان يمنحها قيمتها.

وهذه أكثر مراحل التخلي قسوة؛ أن ترى الشيء أمامك كما كان دائماً، وتدرك أن الذي تبدل هو أنت.

يجلس الإنسان مع نفسه في تلك المساحة التي لا يصل إليها أحد. يراجع سنواته بصمت، ويكتشف كم مرة بقي فقط لأنه خاف أن يخسر، وكم مرة سمّى الاحتمال صبراً، وكم مرة ظن أن الوفاء يعني أن يبقى حتى بعد أن استنفد داخله.

ثم يفهم شيئاً أكثر وجعاً: بعض ما نحاول الحفاظ عليه لا يحتاج إلى إنقاذ، يحتاج إلى وداع.

ومع ذلك، لا يأتي الوداع دائماً محملاً بالغضب. قد نغادر شيئاً ونظل ممتنين له. قد نبتعد عن شخص ونحمل له مكاناً جميلاً في الذاكرة. وقد تنتهي مرحلة من حياتنا ونبقى أوفياء لكل ما منحته لنا.

د.دعاء يوسف

فالنضج ربما يكمن في أن نترك الشيء من دون أن نضطر إلى كراهيته.

أن نقول في داخلنا: كان هذا جزءاً مني… ثم أصبح جزءاً من الماضي.

ومن هنا يصبح التخلي نوعاً من المصالحة مع الزمن. مصالحة مع الإنسان الذي كنا عليه، ومع الإنسان الذي أصبحنا عليه أيضاً.

فالروح لا تطلب دائماً حياة جديدة؛ أحياناً تطلب فقط أن تتوقف عن حمل حياة انتهت مهمتها.

ولهذا قد تكون أصعب مغادرة هي تلك التي لا تحتاج إلى باب، ولا إلى حقائب، ولا إلى كلمة أخيرة.

يكفي أن يتوقف شيء في الداخل عن طلب المزيد. عندها تكون النهاية قد حدثت فعلاً… وكل ما يأتي بعدها مجرد وصول الخارج إلى حقيقة سبقتْه إليها الروح

مكة المكرمة