من سرق تاريخ الثقافة العراقية . من الذاكرة

الرابط المختصرhttps://www.ashurnews.com/?p=61788

من سرق تاريخ الثقافة العراقية . من الذاكرة

Linkedin
Google plus
whatsapp
5 أكتوبر , 2026 - 12:13 م

من سرق تاريخ الثقافة العراقية . من الذاكرة

كتب: د قاسم محسن المدير العام السابق لدائرة الفنون. 

لايخفى على الجميع ما حصل من احداث عام (2003) في العاصمة بغداد وسقوط المنظومة الامنية وتداعياتها آبان الاحتلال(الامريكي _البريطاني) للعراق وماصاحبها من فوضى عارمة خلفت انهيارا جسيما للمنظومة التاريخية الفنية الثقافية عبر سقوط القيم الاخلاقية والثوابت المجتمعية وفتح الباب أمام الجهلة بطريقة مقصودة من قبل القوات المحتلة لسرقة ممتلكات المتحف التأريخي (هيئة الاثار العامة) في منطقة علاوي الحلة وبعدها ابيحت ممتلكات المتحف الوطني للفن الحديث في (مركز بغداد للفنون) التابع لوزارة الثقافة والاعلام في شارع حيفا..(ذاك الحين)، وحدوث أزمة كبيرة للمعنى والوطنية وتحت ضغوطات نفسية ونقمة شعبية وشعارات العداء للدولة والنظام الشمولي الحاكم من قبل الطبقات المغيبة، تلك الذاكرة الوطنية الثقافية كان مخطط لنهبها وتدميرها وحرقها لاخفاء الوجه الحضاري للبلد وطمس كل معالم انجاز الانسان العراقي عبر العصور السالفة، كان موقفي بأخلاء الاعمال المتحفية من خلال تقديمي مبادرة طوارئ للمدير العام للمركزالسابق الراحل الفنان مخلد المختار بتسليم موظفي المتحف وقسم المعارض الفنية بمستند ( تسليم واستلام) للاعمال المتحفية واخلائها في بيوتهم لحين انجلاء دخان المعارك، لكن للاسف كان الفكر السائد لدى اصحاب القرار بأن بغداد (دائرة حمراء) ولن تدخلها تلك القوات العسكرية الاجنبية!! هكذا كان يتصورون بأن البوصلة الاخلاقية المجتمعية ستبقى منضبطة والرفاق لايتركون السواتر ويهربون مع اطلالة اول سبطانة للدبابة (أبرامز120 ملم) التي تقدمت نحو بغداد. وكان عنجهية القرار وتفردهم بالسلطة بان وزيرها سيقود المعركة ضد العلوج، كما لو كان في معركة بدر الكبرى أو في عام (1920) ماسكين المكوار في ثورة العشرين ويتصدون للتكنلوجيا الحديثة ولمترو الانفاق وهو يسير بسرعة 300 كيلو متر بالساعة. فحين دخلت الدبابة أبرامز سقط الحكم وسقطت معه جميع الشعارات الزائفة وكانت النتيجة فقدان لممتلكات المتاحف والذاكرة التأريخية والفنية الوطنية, وتحولت الدولة غنيمة للبرابرة والقادمون من خلف الحدود. على الرغم من مساعينا الفردية المتواضعة فقد اخليت قسم التوثيق في المركز من جميع افلام واشرطة الكاسيت التي توثق اللقاءات التلفزيونية للفنانين الرواد واضابيرهم وسير حياتهم وكذلك توثيق محتويات المتحف الوطني التي كانت تقدر ب8000 عمل فني متحفي، عراقي واجنبي تزين الطوابق المتحفية للبناية من لوحات فنية (رسومات ومنحوتات واعمال الخزف) لا تقدر بثمن.. ذهبت وسُرقت ومُزقت بسبب السياسة الرعناء والعنجهية والتفرد بالقرار، لقد استطعنا من الحفاظ على بعضا منها عبر بناء جدار وهمي لتغطية عمل النحات جواد سليم ( البنائون) وهو نحت رلييف في قاعة (كولبنكيان) في منطقة الباب الشرقي وكذلك بناء جدار وهمي لتغطية المخطوطات في مديرية التراث الشعبي في منطقة الاسكان غربي بغداد.. لكن ( الفتك كان جبير والركعة صغيرة), فقد تعمدت الالة العسكرية الامريكية ومرتزقتها من تغييب الذاكرة التأريخية والفنية الثقافية وأباحتها للسراق وأخفاء ملامحها. لتغطية على شعورهم بالنقص لكونهم لايمتلكون تاريخ كتاريخنا ولامنجز ثقافي فني يعود لألاف السنيين كما هو تأريخنا. واستمرت المعاناة بعد اجلاء دخان المعارك وكانت اللوحات التشكيلية والمنحوتات تباع على ارصفة الطرقات بأسعار زهيدة ومنها تحولت اطارات اللوحات الى حطب لتنانيير الطين في زمن التيهان والفوضى واليأس، فقد طالبنا من أول وزير للثقافة تم تنصيبه بدعمنا كمجموعة من الفنانين التشكيليين المتطوعين لاسترداد تلك الاعمال التي كانت تباع من قبل جهلاء القوم بخمسة دولار وجمعها قبل تهريبها للخارج، وتخصيص ميزانية طوارئ لشرائها بالسرعة الممكنة. لكن للاسف بعد حين تبين ان القرار بيد الوصي على الثقافة العراقية أو المنسق بالتعاون مع الادارة الامريكية, وكان الجواب: ( نحن لا نشجع السراق)!!! حينها قطعنا الامل بأستعادة تلك النفائس مع امكانياتنا المادية المحدودة في تلك الفترة، فقمنا بالتبرع فيما بيننا واقتنينا قرابة 97 سبعة وتسعون عملا متحفيا واسترجاعها بعد ان استقرت الاحداث وانتهاء المعارك لبيئتها الحقيقية (المتحف الوطني للفن الحديث)، بيت الابداع العراقي وذاكرة الاجيال.

مكة المكرمة