الفن التشكيلي والسياسة في العراق

الفن التشكيلي والسياسة في العراق
الفن التشكيلي والسياسة في العراق..
كتب: د. قاسم محسن المدير العام السابق لدائرة الفنون
أن ما تم من كتابة صفحات الماضي ماهي الا بمثابة ترددات أصداء دونت بحسب ميولات واعتقادات ومذاهب واطياف متنوعة، منها على سبيل المثال، نوع من أنواع الحـــقد أو الانتقام وان الانتقام طريق الحزن البطيء وما بين معارض ومتّصد وبين مؤيد ومناصر، وما بين منزوٍ وصامت، لتلك الحقب الاجتماعية والسياسية من تاريخ العراق القديم، مضت الفصول والسنوات، وبقيت متداولة وفق مفاهيم التراث الحكائي. فمنهم من يرجم الوجود العثماني وآخر يبخس انجاز الاستعمار البريطاني ومنهم من يترّحم على العهد الملكي الهاشمي، ومنهم من يبكي على نهاية الحكم الجمهوري الاول واعدام قادة ثورة 14 تموز من الضباط. و منهم من التزم جانب لصمت، كصمت أهل القبور. وما بين أصوات الأبواق المتناقضة والى يومنا هذا، وما بين ثقافة الوجود العثماني والاستعمار البريطاني والنظام الملكي والفكر القومي والفكر الشيوعي والفكر البعثي، تشتت الحقيقة.. وعصفت رياح الثورات بكل ما هو متجذر وثابت مخلخلة ركائز الاستقرار في البلد. ومَن كان الأولى بقيادة دفة الحكم والارجح فيه. ومنذ الملكية والجمهورية الاولى والثانية والى يومنا هذا. وحين نوثق ونؤرشف تاريخ الفن التشكيلي في العراق، لابد من الاشارة الى تاريخه الاجتماعي و السياسي وفق المتغيرات والحيثيات التي أنعكست على الواقع الفني، وأستعارة لتلك المشاهد التي تركت أثرها في المنتج الفني التشكيلي. وظهور الكثير من تلك المشاهد والاحداث على مر الأيام والسنيين في المنتج الفني لفنانيين جايلوا وعاصروا احداثها ومتغيراتها بشكل جلي و يقيناً جميعهم قد تأثروا بعموم تلك المتغيرات وانعكست على المشهد الفني البصري والخطاب الفكري المحمل بالمدلولات التعبيرية والرمزية. واصبح الفن انعكاسا لمعطيات السياسة..فنرى اليوم لا يقام نصب او تمثال الا بدعم حكومي متمثلا بجهة سياسية ففي كل عهد وزمان يظهر منجز فني يجسد فكر السياسة القائمة وينسف ما قبله من مرموزات . فخمسه وثلاثون عام ونحن نرسم بطولات وعنجهيات بليدة تحت ضاغط التسلط السياسي لكون القائد هو الوحيد صاحب العطايا والهبات وبقي فن التشكيل العراقي اسير السياسة ما بين لوحة فنية وعمل نحتي جميعها كانت تمجد لشخصية واحدة لا شريك لها وبالنتيجة تخلف واضح بالمستوى الفني وركود التعبير الفكري تحت طائلة السياسة وشعارات رنانة لم نجني منها سوى الخراب التي اتت بغربان جدد لا يفقهون شيئا من الفن ودوره في المجتمع. قدرنا ان ندفع ضريبة بلد لا يستقر فحين تنتهي حرب سرعان ما توقد نيران لحرب جديدة.

الفن في زمن المتغيرات..
تقول الحكمة السومرية المكتوبة بالخــــــــط المسمـــــــــاري على لوح الطين: ( حيث ما تغمر المياه الأرض، ينمو الخير وتَخرج أجنحة السعادة إلى الوجود). هكذا بدأ الفن مع الحضارة و الفكر وبداية تحرك المجتمعات، فهو نابض لا يموت. فهناك آمواج متلاطمة، تأتينا تباعاً لتصل بين الحين والآخر الى شواطئ الابداع الفردي لتظهر وتتجلى ما بين شاعر سُومري قَد نَظّم قصائده على رُقم الطّين والتي تَردد أصدائها وتَجلىت في قصائد السياب البصري. كذلك هناك تجليات ما بين نحات رافديني آشوري قد نحت لبوته الجريحة وحملها كل تراجيديا الكّون ودراما الآسى بأزاميل الدهّر لتتجلى في منحوته جوادية محملة بالقّيم الجمالية الآزلية.عبر جدارية نصب الحرية والمرأة الباكية ومن خلال امتلاك الانسان الرافديني، مَلكة العقل والتصرف الصحيح نحو مُدركات الاشياء وفهمها وربطها بين الظواهر، بعضها ببعض وهي الخطوة الاولى في طريق الحضارة. والتفاعل سمة من سمات الكائن الانساني في تحقيق الوجود، تُعينه على فهم أسراره وكشف أحلامه والتطّهير وتأكيد وجوده الزماني والمكاني في هذا العالم. ومن أهم سمات العناصر الرئيسة للتواصل الثقافي، هو المنجز الفني في مختلف المجالات الابداعية للذائقة الفنية، السمعية والبصرية الجمالية، وهو عامل من عوامل البحث عن الذات الخلاقة وانتشارها عبر النهوض الثقافي للمجتمعات أجمع، بعيداً عن الاداء الروتيني عبر ظهور بواكير الابداع الفردي وظهور ثيمة حرية التفكير بين الاوساط الفنية والتواشج الثقافي وقيمة التعبير الذاتي. فإذا كان وما زال الفن توثيق لمُعطيات التأريخ واحداثهِ الجسام. و لكي لا يُغيب هذا التاريخ مثلما غُيّبت من قبل.. حدائق بابل التأريخية المُعلقة، التي تسمى (الجنائن المعلقة). تلك التي كانت من عجائب الدنيا السبع.وحينما يكون الفن حاضرا في المجتمعات حينها تنمو وتستدام الثقافة وتزدهر الحياة المدنية وتقوض التفاهات والمحسوبية والواسطات بين المنتفعين المجوفين التافهين اللذين لايفرقون بين علي كيمياوي و البطل الشهيد علي النداوي وبين فاىق حسن والمطرب داخل حسن. أن الفن يُجسد نبض الحياة في جميع العصور، والاحداث السياسية تمتلك بدورها أدوات للهيمنة على الفن، فقد بدأ الفن بنوع من التملّص من تلك القيود ومنذ الثورة الفرنسية الكبرى واعمال ديلاكروا ولوحة (الحرية تقود الشعوب). لكــــــــــــن الواقع العراقي يُلقّي علينا بتسلط واصرار صفحاته المريرة عبر التاريخ المنصرم الــــــــــــذي فيه الكثير مـــــــــــــن البهـــــــــــــــــــتان أي (قيل ما ليس فيه). واذا سمحت لنفسي ان اكون جاداً في البحث والتنقيب في آروقة التاريخ العراقي، للتعرف على المُسببات والاسُس الاولى لولادة الفن في العراق وجذورهِ من خلال روافده المتنوعة، والكشف عن ضاغط الهوية الفنية العراقية على فن التشكيل العراقي فقد كان لزاماً علينا التعرف على مجريات الاحداث في بلدٍ دوماً.. يُعلن أنتصاراته في الحُروب.. ويَخسر السلام وشعبه يَجني الرمّاد.. وفقدانه للعديد من ذاكرة الفكر والجسد، وفقدان الانسانية في دواخل النفوس البشرية، عبر تعدد وتتكرر المرارات التي يعتريها بصيص الأمل، وحينما ننقب في حفريات التاريخ البعيد، وصولاً الى العهد الحديث، سنتعرف على حجم الخسارات البشرية وكذلك المادية والفنية، بذاكرة متموجة وبمرآة مُقعرة، لم تخلو من الشوائب. لتُظهر صور الماضي بطريقة غير مسقولة. ويتضح شيئاً واحد وزاوية واحدة تخفي الكثيرعن الأنظار، بل بحسب رواة تلك الاحداث عن الدلائل الغيرمُوثوقة في زمن أصابه الكثير من الزهايمر والمغالطات للحقيقة في تأويل الأحداث واستبطان الشخصيات.. ومن تلك الخسارات، هي تلك الأعمال الفنية المتحفّية، التي دوما تُفقد وسط تلك التداعيات، وما بين البداية والنهاية، تكونت وسُرقت الآف من الذكريات واللقّى الأثرية واللمّسات الأبداعية للبشرية جمعاء. وغُيبت في الدهاليز المُظلمة، وليس بالضرورة ان تُعاد لأصحابها الشرعيين بعد حين مرة أخرى من جديد..أو لبيئتها المتحفية، هذا ما حصل منذ الآزل وما زال يحدث، والذي تشهد عليه صفحات التاريخ بمختلف العصور والقصور. فالمتاحف الفنية تنتهك حرماتها وتُسرق ممتلكاتها، وتمحى مدلولاتها من ذاكرة الاجيال المتوالية في جميع البلدان. فلقد عملت ومنذ اليوم الاول بتكليفي بأدارة دائرة الفنون العامة في وزارة الثقافة والسياحة والاثار على استعادة ممتلكات المتحف الوطني الحديث التي سُرقت محتوياته ونهبت ممتلكاته وسط دخان المعارك وفوضى الدخلاء. اذ تمكنت من استعادة اكثر من اثنى عشرة لوحة مهمة للفنانين الرواد وفناني من اصحاب الريادة اختفت منذ عام (2003) والتي لايمكن انجازها من جديد كونها تم انتاجها بأيادي مبدعيها اللذين غادرو الحياة. وتبين ان بعضا من تلك الاعمال المفقودة في بلدان عربية. فقد سافرت الى الاردن بعد تواصلي مع السيد سامي هنديه وهو يعد من اهم المقتنين للاعمال الفنية في الشرق الاوسط ويمتلك مجموعة كبيرة لفنانيين عرب واجانب والرجل جزاه الله خيرا حينما علم بان لديه لوحتان تعودان للمجموعة المتحفية, تبرع باستعادتهن على الرغم من كونه قد دفع ثمنهن من دون العلم المسبق بعائديتهن لمتحفنا الوطني العراقي. وكذلك عملت على استعادة عمل متحفي مهم من بيروت وصل الينا عن طريق الفنان سيروان باران مشكورا وكما تبرعت مؤسسة الدكتورحسنين للفنون باستعادة اعمال متحفية جزاهم الله خير الجزاء. ومبادرات فردية اخرى لممتلكات شخصية من اعمال نحت لفنانين من اصحاب الريادة قد تبرعوا مالكيها لتكون ضمن المجموعة المتحفية. فشكرا لجميع الجهود الحثيثة والتي تدعو الى التطلع بعمق الى القيم الفنية الازلية وتحافظ على تاريخ العراق الفني وتعمل على استعادة ممتلكات المتحف الوطني العراقي وديمومته كونه بيت الابداع العراقي وذاكرة الاجيال فالنعمل جميعا على استعادة ممتلكاته ليكون ذاكرة توثق الثقافة للفن البصري الجمالي وتاريخ العراق







