طلال أبو غزالة: الشهادة وحدها لا تصنع المستقبل.. والإنجاز هو الأثر

طلال أبو غزالة: الشهادة وحدها لا تصنع المستقبل.. والإنجاز هو الأثر
طلال أبو غزالة: الشهادة وحدها لا تصنع المستقبل.. والإنجاز هو الأثر
حوار خاص أجرته الدكتورة دعاء يوسف لوكالة آشور الإخبارية
في عالم تتسارع فيه التكنولوجيا وتتغير فيه طبيعة الوظائف والمهارات، لم يعد التعليم مجرد وسيلة للحصول على شهادة أكاديمية، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في بناء اقتصادات الدول وتعزيز قدرتها على المنافسة.
وفي هذا السياق، يطرح الدكتور طلال أبو غزالة رؤية تقوم على الانتقال من التعليم التقليدي إلى نموذج يربط المعرفة بالمهارة والإنجاز، ويجعل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني جزءًا أساسيًا من مستقبل التعليم والعمل.
وفي حوار خاص، يتحدث أبو غزالة عن مشروع «البوليتكنيك»، ودور التعليم في تحقيق التنمية والسيادة الوطنية، ومستقبل الشهادة الجامعية، و«دكتوراه الإنجاز»، وما يطمح إلى تحقيقه للإنسان العربي في ظل التحولات الرقمية المتسارعة.
دكتور طلال، تقولون إن التعليم المهني الرقمي أداة لبناء مستقبل الأمم. هل التعليم اليوم أصبح قضية أمن وتنمية وطنية؟
نعم، التعليم اليوم أصبح قضية سيادة وتنمية وأمن وطني، لأن الدولة التي لا تبني قدرات أبنائها الرقمية ستعتمد على غيرها في اقتصادها وتقنياتها ومستقبلها. والاستثمار في التعليم اليوم هو استثمار في استقلال الدولة وقوتها وقدرتها على المنافسة غدًا.

منذ عقود وأنتم تستشرفون تحول التعليم نحو التكنولوجيا والمعرفة. ما الذي دفعكم مبكرًا إلى تبني هذه الرؤية؟
آمنت منذ وقت مبكر بأن التعليم لا يمكن أن يبقى ثابتًا في عالم تتغير فيه المعرفة باستمرار، وأن دوره يجب أن ينتقل من مجرد نقل المعلومات إلى بناء الإنسان القادر على التفكير والإنتاج والابتكار.
ولهذا كان اهتمامي بتغيير التعليم مبكرًا. ففي عام 1995 ترأست أول مؤتمر للأمم المتحدة حول تغيير التعليم، كما ترأست لجنة خبراء الأمم المتحدة لمعايير المؤهلات المهنية بين عامي 1995 و1998.
ومنذ ذلك الوقت وأنا أؤمن بأن مستقبل التعليم يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالمعرفة والتكنولوجيا وبإعداد الإنسان لمتطلبات المستقبل.
وكنت وما زلت أرى أن الشهادة وحدها لا تصنع المستقبل؛ ما يصنعه هو ما يستطيع الإنسان أن يفعله بما تعلمه، ولذلك يجب أن يكون التعليم مرتبطًا بالمهارة والإنتاج وسوق العمل، لا بمجرد الحصول على مؤهل.
تريدون إيصال البوليتكنيك إلى أكثر من 80% من العالم. ما الذي تريدون تغييره عندما يتحقق هذا الرقم؟
أريد أن أجعل فرصة التعلم متاحة للجميع، بكلفة منخفضة، وأن تصل المعرفة إلى الإنسان أينما كان.
نريد أن ننتقل من عالم يحتكر المعرفة إلى عالم تأتي فيه المعرفة إلى الإنسان حيثما كان، ليتعلم ويعمل وينتج.
هدفي أن نكسر حواجز المكان والمال والعمر؛ فلا سفر ولا تأشيرة ولا انتقال من الوطن بحثًا عن المعرفة. أريد لكل إنسان، أينما كان، أن يمتلك فرصة حقيقية لاكتساب مهارة تصنع له عملًا ودخلًا ومستقبلًا، لأن العدالة في المستقبل تبدأ من العدالة في الوصول إلى المعرفة والمهارة.
إذا كانت قيمة الشهادة تُقاس بما يستطيع الإنسان إنجازه، فهل حان وقت إعادة تعريف الشهادة الجامعية نفسها؟
نعم، فالشهادة يجب ألا تثبت فقط ما درسه الإنسان، بل ما أصبح قادرًا على إنجازه. والمستقبل سيعطي قيمة أكبر للكفاءة والمهارة والإنجاز.
ولماذا جعلتم «الإنجاز» أساسًا لدكتوراه الإنجاز؟ وهل تعتقدون أن المستقبل سيحكم على الإنسان بما صنعه لا بما درسه؟
لأن المعرفة التي لا تتحول إلى إنجاز تبقى ناقصة. الإنسان يقاس بما أضافه وما صنعه وابتكره؛ فالدراسة وسيلة، والإنجاز هو الأثر.
تبدأون بالأساسيات وتنقلون المتعلم إلى التخصص والاحتراف. هل هذه محاولة لإعادة بناء الإنسان المهني من الصفر؟
هي بناء القدرة من الأساس حتى الاحتراف، ليصبح المتعلم قادرًا على التطبيق والإنتاج والمنافسة في سوق العمل.
نحن لا نريد أن نعلّم الإنسان مهنة فقط، بل أن نبني لديه القدرة على التعلم المستمر والتكيف مع التغيير وصناعة فرصته بنفسه؛ لأن مهن المستقبل ستتغير، لكن الإنسان القادر على تطوير مهاراته سيبقى مطلوبًا دائمًا.
اخترتم الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني ضمن المسارات الرئيسية. هل من لا يمتلك هذه المهارات سيكون خارج اقتصاد المستقبل؟
من لا يمتلك هذه المهارات لن يكون خارج اقتصاد المستقبل بالضرورة، لكنه سيكون على هامشه؛ فالذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني أصبحا من مفاتيح العمل والتنافس وصناعة المستقبل.
تقولون إن المشروع ليس مجرد محتوى تعليمي، بل طريق من المعرفة إلى القدرة العملية. هل فشل التعليم التقليدي في عبور هذه المسافة؟
جزء كبير من التعليم التقليدي ركز على نقل المعرفة أكثر من تحويلها إلى قدرة عملية.
نحن نكمل الحلقة: تعلم، طبّق، أنجز.
فالمعرفة التي لا تتحول إلى مهارة وقدرة على حل المشكلات والإنتاج تبقى ناقصة. وفي عصر الذكاء الاصطناعي، لم يعد التحدي أن تعرف المعلومة، بل أن تعرف كيف تستخدمها لتصنع قيمة وإنجازًا.
تستهدفون الشباب والخريجين والباحثين عن عمل، وحتى المؤسسات الحكومية. هل تريدون للبوليتكنيك أن يصبح جزءًا من سياسات الدول لا مجرد منصة تعليمية؟
نعم، طموحنا يتجاوز منصة تعليمية، ليصبح نموذجًا تستفيد منه الدول والمؤسسات في تطوير القوى العاملة وبناء مهارات الاقتصاد الرقمي.
ما الذي تتمنون أن يتذكره العالم عن هذه الرسالة بعد عشر سنوات؟
أتمنى أن يقال إننا ساهمنا في إزالة الحواجز أمام المعرفة، وجعلنا العلم أقرب إلى الإنسان، وأعطيناه فرصة حقيقية ليتعلم وينتج ويصنع مستقبله.
وأخيرًا، دكتور طلال، ما الذي تطمحون إلى أن يحققه هذا المشروع خلال السنوات المقبلة، وما الذي تتمنون أن يضيفه للإنسان العربي تحديدًا؟
أريد أن ينتقل الإنسان العربي من موقع المتلقي للتكنولوجيا إلى موقع المنتج والمبتكر والمنافس عالميًا، وأن تكون أمام شبابنا فرص للتعلم والعمل والإبداع لا تحدّها الجغرافيا أو الظروف الاقتصادية. طموحنا في النهاية ليس فقط أن نعلّم الإنسان، بل أن نمكّنه من صناعة فرصته ومستقبله







