الزيدي ومسرور بارزاني… شراكة لإنقاذ العراق

الرابط المختصرhttps://www.ashurnews.com/?p=61201

الزيدي ومسرور بارزاني… شراكة لإنقاذ العراق

Linkedin
Google plus
whatsapp
2 أغسطس , 2026 - 4:23 م

الزيدي ومسرور بارزاني… شراكة لإنقاذ العراق

كتب: مهند محمود شوقي  

يمر العراق اليوم بواحدة من أكثر مراحله حساسية منذ سنوات، حيث تتقاطع أزمة اقتصادية خانقة مع تحديات أمنية وإقليمية متسارعة، لتضع الحكومة الاتحادية أمام اختبار استثنائي. فالضغوط المالية تتزايد، والرواتب تتأخر، فيما تتسارع المتغيرات في المنطقة بوتيرة تجعل أي خطأ في إدارة المشهد مكلفاً للعراق وشعبه.

لم تعد الأزمة الاقتصادية مجرد أرقام تتداولها التقارير، بل أصبحت واقعاً يعيشه الموظف والمتقاعد على حد سواء. وقد عكست التصريحات الرسمية الأخيرة، التي تحدثت عن شح السيولة، حجم الضائقة التي تواجهها الدولة، في وقت يحتاج فيه العراق إلى إصلاحات اقتصادية وإدارية عميقة تعيد الثقة بالمؤسسات، وتمنح المواطن شعوراً بأن الدولة قادرة على تجاوز أزماتها.

وسط هذا المشهد، يجد رئيس الوزراء علي الزيدي نفسه أمام مسؤولية ثقيلة. فمنذ توليه رئاسة الحكومة، وضع أمامه ملفات معقدة لم يكن الاقتراب منها سهلاً، وفي مقدمتها مكافحة الفساد، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وحصر السلاح بيدها، إلى جانب اعتماد سياسة خارجية متوازنة تقوم على حماية العراق من تداعيات الصراعات الإقليمية، وإبعاده عن سياسة المحاور التي أثقلت كاهله لعقود.

وقد استطاعت الحكومة تحقيق خطوات أولية في ملف مكافحة الفساد، وهو ملف يمثل المدخل الحقيقي لأي إصلاح اقتصادي أو إداري. فالتنمية لا يمكن أن تنجح في بيئة تستنزفها شبكات الفساد، كما أن استعادة ثقة المواطن تبدأ من ترسيخ مبدأ المحاسبة وسيادة القانون. لكن الإصلاح لا يمكن أن يكون مسؤولية بغداد وحدها، كما أن بناء الدولة لا يتحقق بجهود طرف واحد. فالعراق يمتلك تجارب ناجحة داخل حدوده، ومن الحكمة أن تتحول هذه التجارب إلى مشاريع وطنية يستفيد منها جميع العراقيين.

ومن هنا، تبرز تجربة حكومة إقليم كوردستان برئاسة مسرور بارزاني، التي ركزت خلال السنوات الماضية على الرغم من جملة التحديات اعلى تنفيذ مشاريع استراتيجية في قطاعات البنية التحتية، والطرق والجسور، والسدود، والمياه، والتحول الرقمي، وتطوير الخدمات العامة، وتشجيع الاستثمار، رغم التحديات المالية والسياسية التي واجهها الإقليم، وفي مقدمتها توقف تصدير النفط والأزمات المالية المتلاحقة. ويأتي مشروع «روناكي» في مقدمة هذه المشاريع، باعتباره رؤية متكاملة لإصلاح قطاع الكهرباء، وليس مجرد مشروع لزيادة ساعات التجهيز. فالمشروع يهدف إلى توفير الكهرباء على مدار الساعة، وتقليل الاعتماد على المولدات الأهلية، وبناء منظومة طاقة حديثة ومستدامة، بما ينعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين والقطاع الاقتصادي.

ولم يتوقف الأمر عند حدود الإقليم، إذ أعلن رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني في أكثر من مناسبة استعداد حكومته لنقل تجربة «روناكي» وغيرها من التجارب الناجحة  ضمن المشاريع المنجزة في إقليم كوردستان إلى بقية المحافظات العراقية، انطلاقاً من قناعة بأن نجاح أي تجربة داخل العراق ينبغي أن يكون مكسباً للعراق كله، لا لمنطقة دون أخرى. هذه الرؤية تفتح الباب أمام مرحلة جديدة في العلاقة بين بغداد وأربيل، تقوم على تبادل الخبرات بدلاً من تبادل الاتهامات، وعلى التكامل في بناء الدولة بدلاً من إدارة الخلافات السياسية التي استنزفت البلاد لسنوات طويلة.

مهند محمود شوقي

وفي المقابل، فإن نجاح الحكومة الاتحادية في استكمال مشروع الإصلاح، ومواصلة مكافحة الفساد، وتعزيز سلطة الدولة، يمثل الضمانة الأساسية لنجاح أي مشروع تنموي، لأن الاستثمار والخدمات لا يمكن أن يزدهرا في بيئة تفتقر إلى الاستقرار وسيادة القانون. غير أن الطريق أمام الحكومة لا يخلو من التحديات. فالتطورات الأمنية الأخيرة، والتصعيد المتبادل في المنطقة، أعادا العراق إلى دائرة القلق، وفرضَا على بغداد مسؤولية مضاعفة للحفاظ على سيادة البلاد، ومنع استخدام أراضيها ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، إلى جانب مواصلة الحوار مع مختلف الأطراف للحيلولة دون انزلاق العراق إلى صراع لا يخدم مصالحه الوطنية.

وفي مثل هذه الظروف، تصبح الشراكة بين بغداد وأربيل أكثر أهمية من أي وقت مضى. فنجاح الحكومة الاتحادية في ترسيخ الإصلاح، يتكامل مع التجربة التي راكمتها حكومة إقليم كوردستان في مجالات الإدارة والخدمات والتنمية، وهو تكامل يمكن أن يشكل قاعدة حقيقية لبناء دولة أكثر قوة واستقراراً.

ولعل الرئيس مسعود بارزاني لخّص هذه المعادلة في أكثر من مناسبة عندما أكد أن «قوة بغداد قوة لأربيل، وقوة أربيل قوة لبغداد». إنها ليست عبارة سياسية فحسب، بل رؤية تؤكد أن استقرار العاصمة ينعكس على الإقليم، كما أن نجاح الإقليم في تقديم نموذج تنموي ناجح يعزز قوة العراق بأكمله.

العراق اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الانقسامات، بل إلى تعميم التجارب الناجحة، والاستفادة من الخبرات المتراكمة، وتحويل العلاقة بين بغداد وأربيل من علاقة تحكمها الأزمات إلى شراكة استراتيجية تقوم على المصالح الوطنية المشتركة.

ولعل المرحلة الحالية تفرض على الجميع تجاوز الحسابات الضيقة، لأن التحديات التي تواجه العراق أكبر من أن تتحملها حكومة بمفردها أو إقليم بمفرده. وإذا نجح علي الزيدي في مواصلة مشروع الإصلاح، ونجحت حكومة إقليم كوردستان برئاسة مسرور بارزاني في نقل خبراتها وتجاربها التنموية إلى بقية أنحاء العراق، فإن البلاد ستكون أمام فرصة حقيقية لطي صفحة الأزمات، وبناء دولة اتحادية أكثر استقراراً وعدالة وازدهاراً لجميع المكونات.

مكة المكرمة