محمد عزيز سليم آغا.. بصمةٌ خالدة في تاريخ التحقيق الجنائي العراقي

محمد عزيز سليم آغا.. بصمةٌ خالدة في تاريخ التحقيق الجنائي العراقي
محمد عزيز سليم آغا.. بصمةٌ خالدة في تاريخ التحقيق الجنائي العراقي
كتبت: د.دعاء يوسف

تُبنى المؤسسات العريقة برجالٍ جعلوا من الواجب شرفاً، ومن القانون رسالة، ومن العدالة هدفاً لا يحيدون عنه. ومن بين تلك القامات الوطنية يبرز اسم العميد محمد عزيز سليم آغا، أحد رواد التحقيق الجنائي في العراق، الذي ترك إرثاً مهنياً وعلمياً ما زال حاضراً في ذاكرة المؤسسة الأمنية.
تخرج العميد محمد عزيز سليم آغا في الدورة الثامنة لكلية الشرطة العراقية، وكان من الطلبة المتفوقين، فنال التكريم عند تخرجه تقديراً لتميزه العلمي. ولم يكتفِ بدراسته الشرطية، بل واصل مسيرته الأكاديمية فالتحق بـكلية الحقوق ثم كلية التجارة، جامعاً بين التأهيل الأمني والدراسة القانونية والاقتصادية، وهو ما انعكس على منهجه العلمي في إدارة التحقيقات الجنائية.
وفي عهد جلالة الملك فيصل الثاني، أوفد في بعثة رسمية إلى أكاديمية نيو سكوتلانديارد (New Scotland Yard) في لندن، حيث تلقى تدريباً متخصصاً في أحدث أساليب التحقيق الجنائي، وعاد إلى العراق حاملاً خبرات متقدمة أسهمت في تطوير العمل الأمني والتحقيقي.
ويُسجل له أنه مؤسس مديرية مكافحة الإجرام في العراق، وأول مدير لها، وهو إنجاز يمثل محطة مفصلية في تاريخ المؤسسة الأمنية العراقية. كما تولى عدداً من المناصب القيادية، من بينها مدير الاستخبارات، وأسهم في وضع اللبنات الأولى لعمل مؤسسات التحقيق الجنائي الحديثة.

ولم تقتصر جهوده على العمل الميداني، بل كان أستاذاً للتحقيق الجنائي في كلية الشرطة والمعهد القضائي العالي، وأسهم في إعداد أجيال من ضباط الشرطة والمحققين، ناقلاً إليهم خبرته التي اكتسبها عبر سنوات طويلة من العمل والدراسة.
كما أثرى المكتبة القانونية والأمنية بعدد من المؤلفات المتخصصة في التحقيق الجنائي وعلم الجريمة وعلم النفس الجنائي، والتي أصبحت مراجع علمية مهمة للباحثين وطلبة القانون ورجال الشرطة.
ومن أبرز محطات مسيرته المهنية مشاركته مع مجموعة من المحققين من خريجي سكوتلانديارد في دراسة ومتابعة قضية سرقة القطار الكبرى عام 1963، والمعروفة إعلامياً بـ**”سرقة القرن”**، والتي استهدفت القطار المحمل بالأموال في رحلته من غلاسكو إلى لندن. وقد كانت تلك القضية من أشهر القضايا الجنائية في القرن العشرين، وأسهمت في تطوير أساليب التحقيق وجمع الأدلة، وكانت المشاركة فيها دليلاً على المكانة المهنية التي حظي بها العميد محمد عزيز سليم آغا على المستوى الدولي.
رحل العميد محمد عزيز سليم آغا، وبقيت سيرته شاهداً على مرحلة مهمة من تاريخ الشرطة العراقية، وعلى نموذج لرجلٍ آمن بأن العدالة تُصنع بالعلم، وأن هيبة الدولة تُبنى بكفاءة رجالها ونزاهتهم. ويحمل هذا المقال بالنسبة لي قيمةً خاصة، لأن الشخصية التي أكتب عنها ليست مجرد اسم في سجل التاريخ، بل هي جدي، والد والدي. أشعر بفخر كبير وأنا أستعيد جانباً من سيرته ومسيرته الحافلة بالعطاء، وأعتز بانتمائي إلى هذه العائلة التي قدّمت للعراق رجلاً كرّس حياته لخدمة القانون والعدالة. وأكتب هذه الكلمات بكل محبة واعتزاز، أنا دعاء يوسف محمد، حفيدته التي ترى في إرثه مسؤوليةً ومصدر إلهام للأجيال القادمه







