الرغبة في أن تُرغَب

الرابط المختصرhttps://www.ashurnews.com/?p=59205

الرغبة في أن تُرغَب

Linkedin
Google plus
whatsapp
25 ديسمبر , 2025 - 2:16 ص

الرغبة في أن تُرغَب

كتبت: مريم عبد الكريم

قد يبدو هذا غريبًا بعض الشيء، لكن فكرةً ما ظلّت تشغل ذهني منذ فترة، وهي الطريقة التي أرى بها الرجال

ما أطلق سلسلة الأفكار التي سأناقشها في هذا النص — الذي أكتبه في خضم دراسة الطب الباطني والندم الوجودي على اختياراتي الحياتية — هو تحليلي للطريقة التي يراني بها الرجال، وبـ«يرونني» أعني في المقام الأول جنسي. هذا التأمل، مهما بدا شخصيًا، لا يمكن فصله عن الإطار الثقافي الذي تشكّل داخله.

ما بدأ كغضب تجاه «النظرة الذكورية» تحوّل تدريجيًا إلى مراجعة صادقة لانحيازاتي، وما أودّ أن أعتقد أنه انحياز جماعي أيضًا، لأن وجودنا في جوهره ليس فرديًا بقدر ما هو جزء من آلة أكبر. لا شيء مما نفعله مستقل تمامًا أو فريدًا بمعزل عن السياق.

من السمات الجوهرية لثقافتنا — كمسلمين أولًا، وكمصريين ثانيًا — النزعة المحافظة. ومن أبرز تجليات هذه المحافظة الهوس بالتفاعل بين الجنسين؛ سواء أكان هذا التفاعل عنيفًا كتصادم السيوف أو رقيقًا كخفقات اجنحة الفراشات، فهو دائمًا محلّ تدقيق وتأويل. لا يمكننا التفاعل مع الجنس الآخر دون أن يخلّف ذلك «أثرًا باق»، وإن اختلف مدى الوعي به من شخص لآخر.

كمجتمع، قطعنا شوطًا لا بأس به نحو مزيد من الانفتاح، لكن هذا التحوّل لم يكن متكافئًا؛ فبعض الطبقات قاومته، وأخرى تقبّلته بسهولة. ولا شك أن العولمة تركت بصمتها على هويتنا الجمعية، وكلما أسرعنا في اللحث وراء شعارات الحداثة، اتّسعت الهوة بين ما كنّاه وما نطمح أن نكونه، وهو ما يفسّر أيضًا الفجوة المتزايدة بين الأجيال والطبقات.

ولا يسعني هنا إلا أن أشير بإعجاب إلى عبقرية مقارنة «مصر ضد ايجيبت»، إذ لا شيء يوضح تفاوت درجات المحافظة بقدر الصورة الذهنية الفورية لنسختين متناقضتين تقريبًا من البلد ذاته، تعيشان في الوقت نفسه، لكنهما متباعدتان إلى حدّ يبدو معه سكان كل عالم شبه خياليين للآخر. هذا التفاوت لا يقتصر على أنماط الحياة أو أماكن الخروج أو الطعام، بل يمتد إلى جوهر الفرد المصري نفسه. وما لا يُناقش غالبًا هو تلك المنطقة الرمادية التي تصل الأبيض بالأسود، وتجعل هذا المجتمع شبه متماسك. وفي هذه المنطقة الرمادية — لا في الأطراف — تدور معظم التفاعلات بين الجنسين، وهي ما أودّ التركيز عليه.

كما ذكرت سابقًا، لا يمر أي تفاعل مع «الآخر» دون ملاحظة، سواء كان هذا التدقيق داخليًا أم خارجيًا، فهو حاضر دائمًا. لا مهرب من المسارات الذهنية التي زرعتها ثقافة مهووسة بالفضيلة والطهارة. ومهما بدت بيئاتنا «حديثة» و«متحضرة»، فإن النزعة التطهيرية لا تزال تنبض في الهواء وفي دمائنا.

الآخر ينجّسنا، لأنه أولًا «حرام»، ولأنه مختلف، وغالبًا ما يُفترض أنه يكرهنا ولن يفهم تعقيدنا أبدًا. ومع ذلك، يملك الآخر عنصرًا واحدًا يجعل كل هذا — ظاهريًا — محتملًا: تكاملًا بيولوجيًا معنا. ومن هنا يصبح «قهر» الآخر تأكيدًا للهوية الجندرية؛ تُقاس رجولة الرجل بعدد النساء اللواتي استطاع جذبهن، وتُحتفى بأنوثة المرأة بعدد الرجال الذين «استسلموا» لسحرها. وعندما لا تراجع هذه الافتراضات، فإنها لا تشكّل فقط نظرتنا للآخر، بل طريقة تعاملنا معه.

مريم عبد الكريم

أحد القيم المركزية في التفاعل بين الجنسين هو نزع الإنسانية عن الآخر. لا يعني ذلك أن كل تفاعل مصحوب باستحضار واعٍ للقوالب النمطية، حتى وإن كانت راسخة في اللاوعي؛ بل على العكس، ينشغل الفرد غالبًا بخيال أن يكون الآخر منجذبًا إليه. هذا التفكير ليس سيئًا بحد ذاته، لكن الخطير هو تحوّله إلى نمط لا فكاك منه، نحاصر فيه الآخر داخل حيّز محدد سمحنا له به.

لست هنا في مقام إدانة الانجذاب الجسدي أو الفانتازيا الرائجة لقصة الحب المثالية، لكن هذه الأفكار لا تزورنا فقط عند لقاء «الشخص المناسب»، بل ترافقنا في كل التفاعلات اليومية، وتتسلل إلى أذهاننا خلال أبسط الأحاديث.

وعند التمعّن في العلاقات الغيرية، يظهر نمط متكرر من «إعادة التأهيل»؛ أشخاص يسعون لإعادة تشكيل من يحبون، بينما يرفضون تغيير أنفسهم. هذا ليس حرصًا على شريك حياة مفترض، بل سعيًا للسيطرة على ما يظنّون أنهم يملكونه.

مثال ذلك رجل يتقدّم لامرأة طموحة مهنيًا ثم يطالبها بأن تصبح ربة منزل. أو — بشكل أقل استفزازًا لكنه لا يقل خطورة — امرأة تبذل جهدًا هائلًا «لإصلاح» رجل تراه غير كفء. قد يبدو أحدهما تسلّطًا والآخر حبًا، لكن كليهما يتجاهل حرية الآخر، وبالتالي إنسانيته. لا يوجد إنسان بالغ — ما لم يكن فاقدًا للأهلية العقلية — غير مدرك لأفعاله والخيارات التي يتخذها. يمكننا الحكم أخلاقيًا كما نشاء على أفعال الاخرين، لكن الاعتراف بالآخر ككائن مسؤول يقتضي احترام تعقيده وتركه يعيش، لا محاولة تشكيله على حسب هوانا باسم الحب

في كلتا الحالتين — سواء الإعجابات العابرة أو العلاقات طويلة الأمد — نحول الآخر إلى خيال، إلى حلم يجب تحقيقه بأي ثمن. نفشل باستمرار في إدراك كيف تمنعنا هذه الإسقاطات من رؤية الإنسان الذي أمامنا كذات مستقلة، لأننا — دون قصد — نجعله ترسًا في آلة الأنا. هو يطمئننا إلى أننا مرغوبون، ومع تطور جدية العلاقة يطمئننا إلى قدرتنا على اعادة تشكيله، على تغيير شخص ناضج استقرّت ملامحه وحياته قبل أن نلتقيه، فقط لأننا «مميزون» بما يكفي. هذا المسار الفكري ينزع إنسانية الآخر ويختزل وجوده إلى أداة لتأكيد الذات، وغالبًا ما يغيب عنا ذلك بسبب الطابع «الرومانسي» الذي يبدو عليه في البداية.

الرومانسية كنوع أدبي وثقافي ألحقت ضررًا بالغًا بعقولنا. والرومانسية كمفهوم «لطيف» هي واحدة من أنجح عمليات التسويق في القرون الثلاثة الماضية. نشأت حين عجز الإيطاليون عن إيجاد معنى للحياة، وتبنّاتها الرأس مالية بحماسة لأنها كنز لمن يعرف كيف يستثمرها. الرومانسية تبيع الورود والحلاويات واللون الأحمر والمواعيد الفاخرة، وتغذّي سباق الجمال والثراء باعتبارهما معيارَي القيمة الوحيدان في سوق الجذب. لكن أخطر ما فعلته هو تعميق الفجوة بين الجنسين عبر تحويل «الآخر» إلى فانتازيا بدل منحه مساحة ليكون واقعًا. رؤية الآخر كإنسان تتطلب التخلي عن راحة الوهم، ومعظمنا غير مستعد لذلك.

ما يجعل تفكيك هذه الديناميكيات بالغ الصعوبة هو أنها تتخفّى في صورة «تفضيل شخصي»؛ نعتقد أن حاجتنا لأن نكون مرغوبين ومفضّلين هي خيارنا. وبالعودة إلى سوق الرومانسية الشرس، لا نشعر بقيمتنا إلا حين تُشرعن من الخارج. نادرًا ما نملك السيطرة على هذا الدافع، وأندر منها أن نختار ممّن نطلب تلك الشرعنة.

الحاجة لأن يحبّنا الآخرون مغروسة في أدمغتنا البدائية. تشير أبحاث علم الأعصاب إلى أن الإقصاء الاجتماعي يسبّب ألمًا عاطفيًا حادًا يكاد يكون جسديًا؛ ومن هنا تطوّر الخزي كآلية دفاعية ضد خطر النبذ، لأن الانتماء كان يعني الأمان والغذاء والتكاثر. الرغبة الجارفة في أن نكون محبوبين — أو على الأقل غير مكروهين — لها جذور بيولوجية. لكن من نطلب منه هذا حب والتقبل ليس محددًا بيولوجيًا، بل اجتماعيًا.

قد يُطرح اعتراض مفاده أن الرغبة في أن نكون مرغوبين من الجنس الآخر هي رغبة بيولوجية بالأساس؛ ويمكن قبول ذلك إذا كانت موجّهة نحو شركاء محتملين واقعيين، لا نحو كل ذكر أو أنثى على الإطلاق.

وربما أكثر ما يثير القلق في كل هذا ليس رغبتنا في أن نكون مرغوبين، بل ندرة تساؤلنا عن السبب، وعن الثمن. حين يتخفّى قبولنا من الاخرين في هيئة اختيار، نفقد القدرة على التمييز بين أين تنتهي إرادتنا وأين تبدأ برمجتنا. يتحوّل الجنس الآخر إلى مرآة نبحث فيها عن قيمتنا بدل أن يكون مجموعة من بشر مستقلين. ورؤية الآخر بوضوح تتطلّب مقاومة هذا الاندفاع — قبول أن نكون أحيانًا غير مختارين، غير مؤكَّدين، وغير مرتاحين. هذه المقاومة ليست رومانسية ولا سهلة، لكنها قد تكون الخطوة الأولى نحو تفاعلات لا تقوم على الخيال أو الخوف أو الأنا، بل على الاعتراف المتبادل بالإنسانية.

مكة المكرمة