التجنيد الإلزامي في العراق.. عودة الجدل بين ضرورات الأمن وتحديات الواقع.                             

الرابط المختصرhttps://www.ashurnews.com/?p=60376

التجنيد الإلزامي في العراق.. عودة الجدل بين ضرورات الأمن وتحديات الواقع.                             

Linkedin
Google plus
whatsapp
27 أبريل , 2026 - 1:21 ص

التجنيد الإلزامي في العراق.. عودة الجدل بين ضرورات الأمن وتحديات الواقع.                             

كتبت: د.دعاء يوسف / اربيل

عاد ملف التجنيد الإلزامي، أو ما يُعرف بخدمة العلم، إلى واجهة النقاش السياسي والأمني في العراق خلال عام 2026، بعد تحركات داخل مجلس النواب العراقي لإعادة طرحه وتشريعه، في خطوة تعكس توجهاً لإعادة تنظيم المؤسسة العسكرية واستيعاب طاقات الشباب ضمن إطار رسمي. ويأتي هذا الطرح في ظل متغيرات أمنية واقتصادية واجتماعية معقدة، دفعت صناع القرار إلى إعادة التفكير بأدوات بناء الدولة، في وقت لا يزال فيه الشارع منقسماً بين مؤيد يرى في القانون ضرورة وطنية، ومعارض يشكك في جدواه وقدرته على التطبيق.

يُعدّ التجنيد الإلزامي جزءاً من النظام العسكري العراقي قبل عام 2003، حيث كان معمولاً به لعقود طويلة، قبل أن يتم إلغاؤه بعد التغيير السياسي الذي شهدته البلاد. ومنذ ذلك الحين، بقي الملف حاضراً في الخطاب السياسي، إذ طُرح أكثر من مرة داخل أروقة البرلمان، إلا أن جميع المحاولات السابقة لم تصل إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، رغم تقديم مسودات ومقترحات متعددة خلال السنوات الماضية، كان أبرزها مشروع قانون قُدّم في عام 2021 دون أن يُفعّل على أرض الواقع.

وخلال الأشهر الأخيرة، عاد الملف بقوة إلى الواجهة، حيث أنهى البرلمان القراءة الأولى لمقترح قانون خدمة العلم، وبدأت مناقشته داخل لجنة الأمن والدفاع، وسط تأكيدات من شخصيات سياسية بأن القانون يمثل خطوة ضرورية لتعزيز قدرات الدولة الأمنية وبناء جيل أكثر انضباطاً. وتستند هذه الطروحات إلى قناعة بأن إعادة التجنيد الإلزامي يمكن أن تسهم في سد بعض الثغرات داخل المؤسسة العسكرية، إلى جانب دوره المفترض في تقليل معدلات البطالة وتنظيم طاقات الشباب ضمن منظومة رسمية.

د.دعاء يوسف

تشير المسودات المتداولة إلى أن القانون سيشمل فئات عمرية محددة تبدأ من سن التاسعة عشرة، مع تفاوت مدة الخدمة بحسب التحصيل الدراسي، في محاولة لخلق توازن بين متطلبات الخدمة العسكرية والواقع التعليمي. كما يتضمن المشروع خيارات متعددة مثل الخدمة البديلة في قطاعات مدنية، إضافة إلى إمكانية دفع بدل نقدي للإعفاء، وهو ما يعكس محاولة لتكييف القانون مع التنوع الاجتماعي والاقتصادي في البلاد. كذلك يتضمن المشروع منح مخصصات مالية للمجندين واحتساب فترة الخدمة ضمن سنوات التقاعد، في خطوة تهدف إلى جعل الخدمة أكثر قبولاً من الناحية المعيشية.

في المقابل، يواجه المشروع انتقادات واضحة، أبرزها ما يتعلق بالكلفة المالية العالية التي قد تترتب على تطبيقه، في ظل التحديات التي تواجه الموازنة العامة، إذ يتطلب تدريب وتجهيز وإدارة أعداد كبيرة من المجندين موارد مالية وبنية تحتية قد لا تكون متوفرة بشكل كامل. كما يثير القانون جدلاً سياسياً، حيث يرى بعض المراقبين أن إعادة طرحه تحمل أبعاداً شعبوية، في وقت تعاني فيه البلاد من أزمات اقتصادية وفرص عمل محدودة، ما يدفع بعض الأصوات إلى المطالبة بالتركيز على الحلول الاقتصادية بدلاً من فرض الخدمة العسكرية.

ويمتد الجدل إلى المستوى الاجتماعي، حيث يخشى معارضون من تأثير التجنيد على مسارات التعليم وسوق العمل، إضافة إلى انعكاساته على استقرار الأسر، خصوصاً في ظل ظروف معيشية صعبة يعيشها الكثير من العراقيين. في المقابل، يرى مؤيدون أن القانون يمكن أن يعزز الهوية الوطنية ويعيد بناء العلاقة بين المواطن والدولة، فضلاً عن دوره في تقوية الشعور بالانتماء والانضباط.

وبين هذا وذاك، يبقى مستقبل التجنيد الإلزامي في العراق مرتبطاً بقدرة الدولة على تحقيق توازن دقيق بين الحاجة الأمنية والإمكانات الاقتصادية، فضلاً عن مدى تقبل المجتمع لهذا التحول. فالقانون، رغم تقدمه في المسار التشريعي، لا يزال يواجه اختبار التطبيق الواقعي، في ظل بيئة معقدة تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد والاجتماع، ما يجعل من حسمه مسألة تتجاوز الإطار القانوني إلى معادلة أوسع تتعلق بشكل الدولة ودورها في إدارة المجتمع.

مكة المكرمة