الذاكرة التي لا تستعير ذاكرة الهاتف

الرابط المختصرhttps://www.ashurnews.com/?p=61112

الذاكرة التي لا تستعير ذاكرة الهاتف

Linkedin
Google plus
whatsapp
25 يوليو , 2026 - 11:57 ص

الذاكرة التي لا تستعير ذاكرة الهاتف.

كتبت: د. دعاء يوسف

في تلك الدقائق التي تسبق منتصف الليل يتحول الانتظار إلى تجربة وجودية كاملة فلا يعود النظر إلى الساعة لأنها تقيس الوقت وإنما لأنها تكشف أن الإنسان كان حاضرًا في ذاكرة شخص آخر قبل أن يفرض التقويم حضوره ومع الزمن الذي نعيشه بقلقنا وترقبنا لا يبقى الوقت مجرد لحظات متعاقبة بل يصبح امتدادًا لمعنى وجودنا ولذلك تحمل اللحظات السابقة للثانية عشرة كل التذكر المسبق وكل الاهتمام الصادق بينما قد تأتي اللحظات اللاحقة محمولة على تذكير إلكتروني أو استجابة لعادة اجتماعية أكثر من كونها فعلًا نابعًا من الذاكرة

التذكر لا يقتصر على استرجاع تاريخ محفوظ أو مناسبة مسجلة بل هو ذاكرة تنبض من الداخل وتظهر بعفوية دون أن يدفعها أحد فالذي يتذكرك قبل أن يتلقى تنبيهًا يمنحك شعورًا بأنك لست رقمًا محفوظًا بين الأسماء وإنما جزء من عالمه الإنساني ومن تكوين ذاكرته فالبشر يصوغون ذواتهم بما يحتفظون به في قلوبهم قبل عقولهم ولهذا فإن من يتذكرك قبل أي تذكير يقول بطريقة غير مباشرة إن حضورك لديه سابق على أي إشعار وإن قيمتك لا تحتاج إلى من يذكره بها

ومن هنا تبدأ العلاقة الإنسانية في معناها العميق فالإنسان يستجيب للآخر قبل أن يفكر في ذلك وقبل أن تفرض المناسبة نفسها والتهنئة التي تأتي قبل بداية اليوم ليست سباقًا على الوقت بقدر ما هي إعلان عن اهتمام سبق المناسبة نفسها ففي زمن تحكمه الخوارزميات والتنبيهات يبقى هذا النوع من التذكر استعادة لفكرة المسؤولية الإنسانية التي لا تعتمد على الوسائط التقنية

د. دعاء يوسف

والتذكر في جوهره هبة رمزية لأنه يمنح الآخر جزءًا من وقتنا واهتمامنا وحضورنا وعندما يتذكر الإنسان مناسبة شخص آخر من تلقاء نفسه فإنه يبعث برسالة صامتة مفادها أن هذا الشخص يستحق أن يبقى حاضرًا في الذاكرة لا لأن تطبيقًا أخبره بذلك بل لأن العلاقة نفسها كانت كافية لتوقظ هذا التذكر ولهذا تكتسب اللحظات التي تسبق الإشعار قيمتها الرمزية لأنها تعبر عن اهتمام اختار صاحبه أن يقدمه بحرية

والمبادرة هنا لا تعني الوصول أولًا بقدر ما تعني أن الآخر كان حاضرًا في الفكر قبل أن تبدأ المناسبة فاللقاء الحقيقي يبدأ في الذاكرة قبل أن يبدأ بالكلمات والرسالة الأولى ليست مجرد تهنئة بين عشرات الرسائل بل دليل على أن مساحة من التفكير والاهتمام سبقت لحظة الإرسال

وفي زمن أصبحت التكنولوجيا تدير كثيرًا من تفاصيل العلاقات الإنسانية يغدو التذكر العفوي فعلًا استثنائيًا فعندما يتولى الهاتف مهمة التذكير تمر العلاقة عبر وسيط تقني أما حين يسبق الإنسان هذا الوسيط فإنه يعيد العلاقة إلى معناها الأول ويؤكد أن الذاكرة الإنسانية ما زالت قادرة على أن تؤدي دورها دون استعانة بإشعار أو تنبيه

ولذلك فإن الفارق بين رسالة تصل قبل منتصف الليل وأخرى تصل بعده بدقائق لا يقاس بالوقت وحده وإنما بما يحمله من دلالة رمزية فالأولى تقول إنك كنت حاضرًا في الذاكرة قبل أن يحين موعد المناسبة والثانية تبقى تعبيرًا جميلًا عن الاهتمام ولكل إنسان طريقته في التعبير عنه غير أن المبادرة تظل تحمل معنى خاصًا لأنها تكشف أن التذكر سبق المناسبة نفسها

ولعل هذا هو السر في أن التهنئة الأولى تترك أثرًا مختلفًا فهي لا تضيف معلومة جديدة وإنما تمنح الإنسان شعورًا بأنه حاضر في ذاكرة الآخرين وفي عالم تتسارع فيه الإشعارات وتتشابه فيه الرسائل يبقى التذكر الإنساني فعلًا ثوريًا صغيرًا يثبت أن العلاقات الحقيقية لا تزال قادرة على أن تتنفس خارج سلطة الخوارزميات وأن أجمل الهدايا قد تكون رسالة قصيرة جاءت لأن صاحبها تذكرك بإرادته لا لأن هاتفه أخبره بذلك

مكة المكرمة