الإنسان بين زمنين… هل تغيّرت الروح أم تبدّلت الأقنعة؟

الرابط المختصرhttps://www.ashurnews.com/?p=60592

الإنسان بين زمنين… هل تغيّرت الروح أم تبدّلت الأقنعة؟

Linkedin
Google plus
whatsapp
25 مايو , 2026 - 1:45 ص

الإنسان بين زمنين… هل تغيّرت الروح أم تبدّلت الأقنعة؟

كتبت: د. دعاء يوسف  

                  منذ أن بدأ الإنسان يحدّق في نفسه، وهو عاجز عن الوصول إلى إجابة واحدة:

هل نحن حقاً نتغيّر مع الزمن، أم أننا نعيد ارتداء المشاعر ذاتها بوجوهٍ جديدة؟

هذا السؤال لم يكن فلسفياً فقط، بل ظلّ واحداً من أكثر الأسئلة إثارةً للجدل بين الكتّاب والفلاسفة وعلماء النفس وحتى الصحفيين الذين حاولوا فهم الإنسان في كل عصر. فكل جيل يعتقد أن الإنسان تغيّر، ثم يكتشف بعد سنوات أن الخوف ذاته ما يزال يسكن القلوب، وأن الوحدة والقلق والرغبة في الحب والنجاة لم تغادر البشر يوماً.

الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، الذي عاش بين عامي 1844 و1900، كان من أكثر من اقتربوا من هذا الصراع الإنساني المعقد. لم ينظر إلى الإنسان ككائن عقلاني فقط، بل كروح ممزقة بين ما تريده فعلاً، وما يفرضه عليها المجتمع. وكان يؤمن أن أغلب البشر يعيشون داخل أقنعة صنعها الخوف والعادات ورغبة القبول الاجتماعي.

نيتشه رأى أن الإنسان معرّض دائماً لأن يفقد ذاته الحقيقية وسط الجماعة، لذلك كان يهاجم فكرة “الإنسان القطيع”، ذلك الإنسان الذي يتبنى أفكار الآخرين دون أن يكتشف نفسه. بالنسبة له، المشكلة لم تكن في الزمن، بل في هشاشة الإنسان أمام ضغط المجتمع.

لكن الجدل الحقيقي بدأ لاحقاً:

هل كان نيتشه يصف إنسان عصره فقط، أم أنه كان يصف الإنسان في كل الأزمنة؟

قسم من الكتّاب والمفكرين يرون أن إنسان اليوم لم يعد يشبه الإنسان القديم أبداً. يقولون إن التكنولوجيا غيّرت البنية النفسية للإنسان بالكامل؛ فأصبح أكثر عزلة رغم كثرة التواصل، وأكثر قلقاً رغم وفرة وسائل الراحة. إنسان اليوم يعيش تحت ضغط المقارنة المستمرة، يراقب حياة الآخرين لحظة بلحظة، ويشعر بأنه مطالب دائماً بأن يكون أفضل، أجمل، أنجح، وأكثر حضوراً.

د. دعاء يوسف

حتى العلاقات الإنسانية تغيّرت، إذ أصبحت أسرع وأكثر هشاشة، بينما تحولت المشاعر أحياناً إلى ردود فعل مؤقتة داخل عالم رقمي سريع الاستهلاك.

في المقابل، يرى آخرون أن الإنسان لم يتغير أبداً، وأن ما تغيّر هو شكل الحياة فقط. فالإنسان القديم كان يخاف الفقر والموت والوحدة، والإنسان الحديث ما يزال يخاف الأشياء نفسها وإن اختلفت أسماؤها. قديماً كان الإنسان يبحث عن الاعتراف داخل القبيلة، واليوم يبحث عنه عبر الشاشات. الوسائل تبدلت، لكن الجوع النفسي بقي ذاته.

بعض الصحفيين والكتّاب وصفوا الإنسان الحديث بأنه “أكثر تطوراً من الخارج وأكثر هشاشة من الداخل”، بينما يرى آخرون أن الإنسان عبر التاريخ بقي الكائن نفسه: ضعيفاً أمام الخوف، محتاجاً للحب، وممزقاً بين رغبته في الحرية وخوفه من الاختلاف. وربما لهذا ما تزال أفكار نيتشه حيّة حتى اليوم؛ لأنه لم يكن يكتب عن عصره فقط، بل عن الأزمة الأبدية داخل الإنسان نفسه… أزمة البحث عن ذاته في عالم لا يتوقف عن تشكيله من جديد

مكة المكرمة