غدير يكتبني- وحب علي يربيني

غدير يكتبني- وحب علي يربيني
غدير يكتبني- وحب علي يربيني.
كتبت: د. غدير سلام عارف/ تدريسية في جامعة بغداد.
ليس الغدير عندي مناسبة أكتب عنها فحسب، بل حكاية بدأت مع أول يوم من عمري، وكأن القدر أراد أن يربطني بهذا المعنى منذ اللحظة الأولى. فميلادي يصادف يوم الغدير، وكأنها كرامة لا تشبه الكرامات العابرة، بل إشارة امتداد لمعنى أكبر. وتشرفت أن اسمي (غدير) لم يكن اختياراً عابراً، بل كانت جدتي رحمها الله هي من اختارته، بموافقة ومحبة من أبي وأمي، وكأنهم جميعاً أرادوا أن يزرعوا في حياتي منذ البداية ارتباطاً بهذا اليوم العظيم. وقد نشأت في بيت أحسن تربيتي، وغرس في داخلي محبة آل البيت (عليهم السلام)، فكان هذا الامتداد العائلي سبباً في أن يكبر هذا الحب معي بوعي وإدراك، لا مجرد وراثة، بل قناعة ازدادت رسوخاً مع الزمن كلما تعمقت في معنى الغدير والولاية.
رحمكِ الله يا جدتي، فما زلت أتذكركِ بالدعاء والمحبة، وأشعر أن هذا الاسم لم يكن مجرد اسم، بل رسالة امتدت معي في الطريق.
ومع مرور الوقت، لم يكن الغدير عندي حدثاً تاريخياً يروى، بل معنى يتجدد في الوجدان، لأنه كلما ازداد وعيي به أدركت أنه ليس لحظة عابرة، بل مشروع هداية وقيم وعدالة، اختصره النبي (صلى الله عليه وآله) بكلمات خالدة: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه». ومن هنا لم يعد الغدير فكرة تذكر، بل هوية تعاش تنمو مع الإنسان وتتشكل في داخله.
أما أبي الروحي علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فحديثه ليس كأي حديث، هو حضور يتسلل إلى تفاصيل الحياة دون أن نشعر. في البيت كنت أسمع والدي حين يحمل ثقلاً يقول: (يا أبا الحسن يا علي)، وكانت جدتي كلما اشتد بها الألم تقول: (يا علي)، وأمي حين يصيب أحد إخوتي مكروه تردد: (يا علي). وهنا لا بد من التوضيح أن هذا النداء ليس كما يسيء البعض فهمه، بل هو تعبير عن المحبة والتعلق والرجاء، فكما يلهج القلب باسم من يحب، كذلك يلهج باسم من امتلأ به الإيمان والمودة، هو لسان حال المحب حين يستعين ويستحضر المعنى الروحي لمن يحبهم الله ويقربهم.
فما سر هذا الحضور ياعلي؟ لماذا نتذكرك في مصاعبنا دائماً؟ لماذا نشعر أنك قريب في كل شدة حتى صاروا يقولون: (يا حاضر الشدات يا علي)؟
ومع هذا الحضور اليومي، تتسع في الداخل مساحة العشق، عشق لا يشبه أي شعور آخر، كالعسل في الفم، وكالمسك في الصدر، وكأن الجنة تقترب من العين كلما ذكر اسمه. أي عشق هذا الذي يتركه في القلوب يا علي… يا علي، حتى يصبح القلب معلقاً بتلك اللحظة الخالدة، لحظة إعلان الولاية في غدير خم، وكأنها لا تزال حاضرة في الزمن لا تغادره.
ومعها تتجدد الشهادة في الوجدان: (أشهد أن علياً ولي الله)، فتغدو الكلمة حياة لا مجرد قول.
وفي عمق التاريخ، وقف كثير من المفكرين أمام هذه الشخصية التي تجاوزت حدود الزمان والمكان، ومن بينهم الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو، الذي أشاد بعظمة الإمام علي عليه السلام، فقال:
“ما وجدت في التاريخ من يستحق لقب أستاذ بمفهومها سوى رجل واحد هو علي بن أبي طالب عليه السلام”.
وكأن هذه الشهادة تعكس حضوراً لا يمكن تجاهله، وقيادة فكرية وإنسانية بقيت محل إعجاب حتى عند من لم يعيشوا في بيئته.
ومنذ الطفولة، كان علي (عليه السلام ) حاضراً في وجداني كبطل لا يغيب. كنت أسمع عن كراماته، وتكبر الأسئلة في داخلي: كيف يكون هذا النور؟ وكيف ولد في أقدس مكان، في الكعبة التي شرفت بولادته؟ حتى أدركت أن تلك اللحظة ليست حدثاً عادياً، بل بداية امتداد لمعنى لا ينتهي، وأن أثرها باقٍ في الوعي والتاريخ والقلوب. وفي النهاية، لا يسع القلب إلا أن يقول: السلام على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، قائد الإنسانية، وإمام المتقين، ونبض العدالة الذي لا يخبو عبر الزمان، ورضيت بك يا مولاي إماماً هادياً وولياً مرشداً، لا أبتغي عنك بدلاً ولا أتخذ من دونك وليا







