حين يغني المنتخب… ويستيقظ الوطن

الرابط المختصرhttps://www.ashurnews.com/?p=60294

حين يغني المنتخب… ويستيقظ الوطن

Linkedin
Google plus
whatsapp
10 أبريل , 2026 - 10:56 م

حين يغني المنتخب… ويستيقظ الوطن

كتبت: د. دعاء يوسف.

في العراق، هناك لحظات نادرة لا تشبه ما قبلها ولا ما بعدها… لحظات يسقط فيها التعب، وتختفي الفوارق، ويظهر الوطن كما يجب أن يكون. هذه اللحظات لا تصنعها السياسة، ولا تفرضها القرارات، بل تولد فجأة… مع صافرة مباراة، أو مع صوت نشيد، أو مع هدف يهز القلوب قبل الشباك. هكذا هو منتخب العراق… ليس مجرد فريق كرة قدم، بل حالة شعورية كاملة، تختصر وجع بلد وأمله في آنٍ واحد.

قبل أن تبدأ المباراة، يقف اللاعبون صفًا واحدًا، أيديهم على صدورهم، لكن الحقيقة أن قلوبهم كلها هناك… معلقة باسم العراق. وحين يصلون إلى مقطع: “هل اراك .. سالما منعما وغانما مكرما “، ترتجف الأصوات، وتلمع العيون، وبعضهم لا يستطيع أن يكمل. يبكون… نعم، يبكون أمام العالم، لا ضعفًا بل امتلاءً، وكأن هذا النشيد يفتح في داخلهم كل ما حاولوا إخفاءه من حنين ووجع وأمل. في تلك اللحظة، لا نشاهد لاعبين… بل نشاهد وطنًا يغني بصوتٍ مكسور لكنه صادق.

هذه المرة، لم تكن المباراة عادية أبدًا. جاءت في وقت صعب، حيث توقفت حركة الطيران في العراق، وتعقّدت التنقلات، وكان توقيت المباراة مبكرًا بشكل لا يناسب كثيرين. ومع ذلك… خرج العراق. خرج الناس من بيوتهم، وامتلأت المقاهي والكوفي شوبات، وازدحمت الأماكن العامة بوجوه متعبة جاءت تبحث عن شيء واحد فقط: لحظة فرح. لم يكن الحضور عابرًا، بل كان أشبه بنداء داخلي جمع الجميع دون موعد: لازم نكون سوا اليوم.

جلسوا أمام الشاشات، لكنهم لم يكونوا مجرد مشاهدين… كانوا جزءًا من المباراة. قلوبهم تركض مع اللاعبين، وأنفاسهم تتسارع مع كل هجمة، وعيونهم معلقة بلحظة قد تغيّر مزاج بلد كامل. وحين جاء الهدف… لم يكن مجرد هدف، بل انفجار شعوري. لم يصرخ الناس فقط… بل بكوا. بكوا كما يبكي من طال انتظاره للفرح، بكاء شخصٍ كان يحتاج هذه اللحظة ليشعر أنه ما زال حيًا.

د. دعاء يوسف.

دموع في المقاهي، أحضان بين غرباء، صرخات تخرج من القلب دون حساب… مشهد لا يمكن تفسيره إلا بكلمة واحدة: العراق.

هذا المشهد يعيدنا إلى ، حين لم يكن الفوز مجرد بطولة، بل لحظة وحدة وطنية نادرة، شعر فيها العراقيون أنهم شعب واحد رغم كل شيء. واليوم، يتكرر الإحساس نفسه، وكأن التاريخ يمنحنا فرصة أخرى لنرى أنفسنا كما نحب أن نكون. حتى أن لخّص المشهد بكلمات صادقة حين قال إن المنتخب وحد الصف العراقي كما فعل في 2007.

داخل الملعب، تختفي كل التصنيفات. لا أحد كردي أو شيعي أو سني أو مسيحي… هناك فقط لاعبو العراق. يمررون لبعضهم دون تردد، يركضون نحو هدف واحد، يحتفلون كعائلة واحدة، ويستقتلون على الكرة من أجل شيء أكبر منهم جميعًا: أن يرتفع اسم العراق. في تلك اللحظات، يقدمون صورة نقية عن هذا البلد… صورة بلا انقسام، بلا خوف، بلا حواجز.

منتخب العراق لا يسجل أهدافًا فقط… بل يخلق لحظات وطنية خالصة. لحظات نشعر فيها أن كل شيء ممكن، وأن هذا البلد، رغم كل ما مرّ به، ما زال قادرًا على أن يجتمع حول حلم واحد. ولهذا، حين بكى اللاعب أثناء النشيد، وحين بكى الجمهور بعد الهدف، لم تكن تلك مجرد دموع فرح… بل كانت دموع حاجة، دموع ناسٍ كانوا ينتظرون من يعيد لهم الإحساس بأنهم شعب واحد.

وهنا تكمن الحقيقة الأجمل:

أن اللاعب العراقي لم يمنحنا فوزًا فقط… بل منحنا وطنًا، ولو لوقتٍ قصير

مكة المكرمة