حزام بغداد بين الإسمنت والزراعة

الرابط المختصرhttps://www.ashurnews.com/?p=60512

حزام بغداد بين الإسمنت والزراعة

Linkedin
Google plus
whatsapp
11 مايو , 2026 - 8:07 م

حزام بغداد بين الإسمنت والزراعة

تقرير: د. دعاء يوسف/ اربيل

كيف غيّرت المجمعات الاستثمارية ملامح المناطق الزراعية المحيطة بالعاصمة؟

لم تعد مناطق حزام بغداد كما كانت قبل سنوات.

البساتين التي كانت تُعرف بخضرتها الكثيفة وأراضيها الزراعية الممتدة، بدأت تتراجع تدريجيًا أمام الزحف العمراني والمجمعات الاستثمارية التي غيّرت شكل تلك المناطق، وأثارت مخاوف تتعلق بالأمن الغذائي والبيئي وحتى الاجتماعي.

ومع التوسع السكاني وارتفاع الطلب على السكن، اتجهت شركات استثمارية إلى أطراف العاصمة لإنشاء مجمعات سكنية وتجارية ضخمة، مستفيدة من قرب تلك المناطق من مركز بغداد وانخفاض أسعار الأراضي مقارنة بالمناطق الحضرية. لكن هذا التوسع فتح بابًا واسعًا للجدل حول حجم الخسائر الزراعية التي تكبدتها العاصمة خلال السنوات الأخيرة.

تقلص الرقعة الزراعية

يرى مختصون بالشأن الزراعي أن أخطر ما خلفته المجمعات الاستثمارية هو تآكل الأراضي الزراعية وتحويلها إلى كتل إسمنتية، خصوصًا في مناطق جنوب وغرب وشمال بغداد.

فالكثير من الأراضي التي كانت تُستخدم لزراعة الخضروات والفواكه تحولت إلى مشاريع سكنية، الأمر الذي انعكس على حجم الإنتاج المحلي، ودفع الأسواق للاعتماد بصورة أكبر على الاستيراد.

ويؤكد خبراء أن خسارة الأراضي الزراعية لا تعني فقط فقدان مصدر غذائي، بل فقدان منظومة بيئية كاملة كانت تسهم بتلطيف درجات الحرارة وتقليل العواصف الترابية وتحسين جودة الهواء داخل العاصمة.

ضغط بيئي ومائي

التوسع الاستثماري في مناطق الحزام لم يقتصر تأثيره على الزراعة فقط، بل امتد إلى البنية البيئية والخدمية.

فالمجمعات السكنية الجديدة تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه والطاقة والخدمات، في وقت تعاني فيه بغداد أصلًا من ضغط على شبكات الماء والكهرباء والصرف الصحي.

كما أن إزالة البساتين والأشجار أدت إلى ارتفاع درجات الحرارة في بعض المناطق، بسبب تراجع المساحات الخضراء التي كانت تشكل حاجزًا طبيعيًا ضد التصحر والغبار.

ويربط مختصون بين اختفاء البساتين وزيادة العواصف الترابية التي شهدها العراق خلال السنوات الأخيرة، مؤكدين أن الغطاء النباتي المحيط بالعاصمة كان يمثل خط دفاع بيئي مهم.

تغيّر اجتماعي وسكاني

واحدة من أكثر النقاط التي أثارت الجدل هي مسألة “تغيير التركيبة السكانية”، وهي العبارة التي أشار إليها رئيس الوزراء خلال حديثه عن الأراضي الزراعية.

ويرى مراقبون أن تحويل الأراضي الزراعية إلى مجمعات استثمارية ضخمة يؤدي إلى تغيير طبيعة المناطق المحيطة ببغداد، بعد انتقال أعداد كبيرة من السكان إليها، ما يخلق ضغطًا اجتماعيًا وخدميًا جديدًا، ويغيّر نمط الحياة الزراعية التقليدية التي كانت تعتمد عليها تلك المناطق منذ عقود.

كما أن بعض المناطق شهدت ارتفاعًا كبيرًا بأسعار الأراضي بعد دخول الاستثمار العقاري، ما دفع عددًا من المزارعين إلى بيع أراضيهم والتخلي عن النشاط الزراعي بالكامل.

د. دعاء يوسف

بين الحاجة للسكن وحماية الأرض

في المقابل، يرى مؤيدو المشاريع الاستثمارية أن بغداد تعاني أصلًا من أزمة سكن خانقة، وأن التوسع العمراني أصبح ضرورة مع تزايد أعداد السكان.

لكن مختصين يطالبون بإيجاد توازن بين الاستثمار والحفاظ على الأراضي الزراعية، عبر توجيه المشاريع نحو الأراضي غير الصالحة للزراعة، ومنع التجاوز على البساتين والمناطق الخضراء.

كما يدعون إلى وضع خطط عمرانية واضحة تمنع العشوائية، وتحافظ على هوية حزام بغداد الزراعية والبيئية.

تحذيرات من مستقبل أخطر

ويحذر خبراء البيئة والزراعة من أن استمرار تجريف الأراضي الزراعية سيؤدي مستقبلاً إلى خسائر أكبر، ليس فقط على مستوى الغذاء، بل على مستوى المناخ والاقتصاد وصحة السكان. فالعاصمة التي كانت محاطة يومًا بأحزمة خضراء تقلل من حرارة الصيف والغبار، باتت تفقد جزءًا من هذا التوازن عامًا بعد آخر، وسط سباق متسارع بين الاستثمار والإسمنت من جهة، ومحاولات الحفاظ على ما تبقى من الرقعة الزراعية من جهة أخرى

مكة المكرمة