ملف روجآفا: الإنسان في تقاطع الأمن والنزوح والقانون الدولي
ملف روجآفا: الإنسان في تقاطع الأمن والنزوح والقانون الدولي
ملف روجآفا: الإنسان في تقاطع الأمن والنزوح والقانون الدولي
كتبت: د. دعاء يوسف
يتعامل العراق مع ما يجري في روجآفا بوصفه ملفًا مركزيًا تتقاطع فيه ثلاثة مسارات رئيسية: المسار الإنساني، والمسار الأمني، والمسار القانوني الدولي. هذا التقاطع هو ما يجعل القضية أوسع من توصيفها كحدث محلي أو صراع محدود، ويمنحها صفة الملف الاستراتيجي المفتوح على احتمالات متعددة، تتجاوز حدود سوريا وتمتد إلى الإقليم والعالم.
الواقع الميداني في شمال وشرق سوريا يضع المدنيين في قلب معادلة معقّدة. مجتمعات كردية وعربية تعيش في مساحة واحدة، تتشارك الخوف نفسه عند كل تصعيد، وتدفع الكلفة نفسها حين تتحول القرى إلى أهداف، وحين تُقطع سبل العيش، وحين يصبح النزوح خيارًا اضطراريًا لا قرارًا. في مراحل سابقة من التصعيد، ولا سيما عام 2019، شهدت المنطقة موجات نزوح سريعة خلال أيام قليلة تجاوزت مئة وستين ألف شخص، ثم ارتفعت التقديرات لاحقًا لتقترب من مئة وثمانين ألفًا، بينهم عشرات الآلاف من الأطفال. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل مؤشرات على هشاشة الحماية الإنسانية حين يغيب الردع السياسي الفعّال.

مع بداية عام 2026، عاد الملف الإنساني إلى الواجهة بقوة. النقص في الغذاء والوقود والكهرباء والمواد الطبية لم يعد تفصيلًا طارئًا، بل تحوّل إلى حالة مستمرة تهدد الأمن الغذائي والصحي للعائلات. هذا الواقع أعاد طرح سؤال النزوح مجددًا، ليس بوصفه حركة سكانية مؤقتة، بل كخطر استراتيجي طويل الأمد، لأن أي موجة نزوح جديدة تعني ضغطًا إضافيًا على دول الجوار، وفي مقدمتها العراق، الذي يحمل أصلًا إرثًا ثقيلًا من النزوح الداخلي والخارجي.
في موازاة ذلك، يبرز البعد الأمني بوصفه أحد أعقد جوانب هذا الملف. وجود أعداد كبيرة من عناصر الجماعات الإرهابية المحتجزين في مناطق شمال وشرق سوريا، إلى جانب عائلاتهم، حوّل روجآفا إلى عقدة أمنية عابرة للحدود. هذا الواقع فرض ترتيبات نقل مئات الموقوفين إلى العراق ضمن أطر قضائية وأمنية، مع تقديرات تشير إلى احتمالات نقل أعداد أكبر في مراحل لاحقة. هذه المعادلة تضع العراق أمام مسؤوليات مضاعفة، وتكشف في الوقت نفسه خللًا في مقاربة دولية ما زالت تتعامل مع الملف بوصفه عبئًا يمكن ترحيله بدل معالجته جذريًا عبر تحمّل كل دولة مسؤولية رعاياها.
التفاعل العراقي مع هذا المشهد لم يكن معزولًا عن الشارع. محافظات ومدن عدّة شهدت حراكًا تضامنيًا ومواقف مدنية واضحة، عبّرت عن إدراك بأن روجآفا ليست قضية كردية فقط، ولا تخصّ العرب الموجودين في المنطقة وحدهم، بل تمسّ الاستقرار الإقليمي ككل. هذا الوعي تشكّل من تجربة عراقية طويلة أثبتت أن الأزمات الإنسانية حين تُترك دون معالجة مبكرة، تتحول إلى تهديدات أمنية لاحقة يصعب احتواؤها.
أما على المستوى الدولي، فإن ملف روجآفا أعاد فتح النقاش حول صدقية الالتزام العالمي بحقوق الإنسان. الإطار القانوني الدولي الخاص بسوريا موجود منذ سنوات، ويتضمن مسارات سياسية وقرارات إنسانية تسمح بإيصال المساعدات وحماية المدنيين. غير أن الفجوة بين النص والتطبيق بقيت واسعة، وهو ما ظهر بوضوح عند كل جولة تصعيد، حين تُترك المجتمعات المدنية بين نار الصراع وبطء الاستجابة الدولية.
التحركات التضامنية التي خرجت في مدن أوروبية وأميركية خلال مراحل مختلفة من التصعيد تعكس إدراكًا شعبيًا بأن ما يجري في روجآفا يمسّ القيم الإنسانية العالمية، لا بوصفها شعارات، بل بوصفها التزامات. هذا الحراك كشف في المقابل محدودية الفعل السياسي، حين لا تُترجم القيم إلى حماية فعلية للمدنيين، ولا تُفعّل آليات المساءلة القانونية بشكل رادع.
في قلب هذا الملف، تعود مسألة توصيف الكرد بوصفهم أقلية داخل الدولة السورية. هذا التوصيف ارتبط تاريخيًا بمحاولات تقييد التعبير والهوية، ثم تحوّل لاحقًا إلى ذريعة ضمن صراعات أوسع. غير أن جوهر القضية يتجاوز التصنيفات، لأن أي جماعة بشرية، مهما كان حجمها، تمتلك حق العيش وفق ثقافتها وعاداتها وتقاليدها، وحق تنظيم حياتها الاجتماعية بطريقة تحفظ كرامتها وأمنها. هذا الحق لا يُلغى بتبدّل موازين القوة، ولا يسقط تحت ضغط الجغرافيا السياسية.
من زاوية استراتيجية، يبيّن ملف روجآفا أن فصل الأمن عن الإنسان خطأ مكلف، وأن تجاهل النزوح بوصفه نتيجة جانبية للصراع يقود إلى أزمات إقليمية متراكمة، وأن تعطيل القانون الدولي عند لحظة الاختبار يفقده معناه. العراق، بحكم موقعه وتجربته، يقف في نقطة وسطى بين هذه المسارات الثلاثة، ويقرأ الملف بوصفه إنذارًا مبكرًا لما يمكن أن يحدث حين تُدار الأزمات بعقلية التأجيل. روجآفا اليوم تمثّل مرآة للمنطقة، وطريقة التعامل معها ستحدد اتجاهات المرحلة المقبلة. حماية المدنيين، إدارة الملف الأمني بمسؤولية مشتركة، وتفعيل القانون الدولي بوصفه أداة حماية لا ورقة تفاوض، هي عناصر مترابطة لا يمكن فصلها. هذا الترابط هو ما يمنح الملف ثقله الاستراتيجي، ويجعل من الإنسان معيار النجاح الوحيد لأي مقاربة جادة.







