بين الحقيقة والرواية: كيف تُصنع السمعة في زمن الأحاديث المنقولة
بين الحقيقة والرواية: كيف تُصنع السمعة في زمن الأحاديث المنقولة
بين الحقيقة والرواية: كيف تُصنع السمعة في زمن الأحاديث المنقولة
كتبت: د. دعاء يوسف / أربيل
في مكانٍ غير محدد، وفي لحظة لا ينتبه لها أحد، تبدأ الحكاية.
لا تكون كبيرة، ولا لافتة، مجرد كلمة قيلت على عجل، أو موقف فُهم على عكس ما كان يُراد له.
لكن تلك اللحظة الصغيرة، تمضي بهدوء لتصبح شيئًا آخر… شيئًا أكبر من حجمها بكثير.
تنتقل الحكاية من فمٍ إلى آخر، لا كما هي، بل كما تُفهم.
كل شخص يضيف إليها شيئًا من نفسه، من مزاجه، من تجربته، من شكوكه وربما من مخاوفه.
وهكذا، لا تعود الحكاية حكاية واحدة، بل نسخًا متعددة، كل نسخة تبتعد خطوة عن الأصل، وتقترب أكثر من خيال من يرويها.
وفي الطريق، يحدث ما هو أخطر من التغيير… يحدث التصديق.
فالناس لا تتعامل مع ما تسمع بحذر دائم، بل بعاطفة سريعة.
تميل إلى ما يُقال بثقة، إلى ما يُروى بنبرة حاسمة، إلى ما يبدو مكتملًا حتى وإن كان ناقصًا من الداخل.
وهنا، لا تصبح المشكلة في الكلام ذاته، بل في الأذن التي تستقبله دون تمحيص.
السمعة، في هذا السياق، لا تُبنى فقط بما يُقال، بل بمن يختار أن يصدق.
إنها انعكاس مزدوج… نصفها في أفواه الناس، ونصفها الآخر في عقولهم.
ولهذا، لا يمكن فصل الحكاية عن مستمعها.
فليس كل من يسمع، يفهم… وليس كل من يفهم، يحكم بعدل.
هناك من يمشي خلف أول رواية تصله، كأنها حقيقة مكتملة،
وهناك من يتوقف قليلًا، يضع مسافة بينه وبين ما سمع،
يسأل نفسه بصمت:
هل هذا كل شيء؟
هل ما سمعته يكفي لأكوّن حكمًا؟
هل الصوت الذي نقل الحكاية، نقلها كما هي… أم كما أراد لها أن تكون؟

في هذا التوقف البسيط، تولد الحكمة.
الحكمة التي لا تكتفي بالسماع، بل تبحث عن المعنى.
لا تنحاز بسرعة، ولا تمنح الثقة بسهولة،
بل تعرف أن لكل قصة وجهًا آخر لم يُروَ،
وأن لكل إنسان جانبًا لا يصل إلى الأحاديث.
ومن هنا، يصبح الأمر أعمق من مجرد كلام يُقال.
إنه اختبار خفي… ليس لمن يُتحدث عنه، بل لمن يستمع.
اختبار في القدرة على التمييز،
في اختيار الطريق… مع من نمشي، ولأي رواية ننحاز،
وفي الشجاعة التي تجعل الإنسان يتريث، بدل أن يكون صدى لغيره.
أما أولئك الذين يجدون أنفسهم داخل هذه الروايات،
فهم يدركون، مع الوقت، أن الدفاع لا يُجدي دائمًا،
وأن كثرة التبرير لا تعيد الصورة كما كانت،
فيختارون طريقًا أكثر هدوءًا…
أن يكونوا كما هم، دون أن يطاردوا كل ما يُقال عنهم.
يمضون، لا لأنهم غير معنيين،
بل لأنهم يعرفون أن الحقيقة، وإن تأخرت، لا تضيع،
وأن ما يُبنى على الظن، يتعب سريعًا،
بينما ما يُبنى على الثبات، يبقى.
في النهاية، لا تكون السمعة مجرد نتيجة لكلام عابر،
بل مرآة مزدوجة…
تعكس من قيل عنه، وتعكس أكثر من صدّق.
ولهذا، ربما لا تكمن المسؤولية في ما يُقال فقط،
بل في الحكمة التي نمتلكها ونحن نستمع،
في قدرتنا على أن نُقيّم، أن نُفرّق، أن لا نُسلّم عقولنا لأول رواية تمرّ أمامنا.
فالإنسان، في لحظة واحدة، قد يكون موضوع حديث…
وفي لحظة أخرى، يكون هو المستمع. وبين الحالتين، يتحدد كل شيء







