في الحلقة الثانية من “أمير الشعراء” بموسمه الثامن إلى المرحلة الثانية.. الشامسي بـ73 درجة، وجرجيس بـ58 درجة

الرابط المختصرhttp://www.ashurnews.com/?p=16284

في الحلقة الثانية من “أمير الشعراء” بموسمه الثامن إلى المرحلة الثانية.. الشامسي بـ73 درجة، وجرجيس بـ58 درجة

Linkedin
Google plus
whatsapp
9 فبراير , 2019 - 7:20 م

ابتهال تريتر  “بنت الشمس” تتألق.. ولجنة التحكيم تمنحها 47 درجة

خلود بناصر، هاني عبدالجواد، عبدالمنعم حسن.. بانتظار التصويت

عُرَيب تغنّي “يازائري في الضُّحى”

ومع الفصيح والنبطي يجتمع قوقزة والتميمي على حب الإمارات وزايد

(أبوظبي- آشور) انطلقت أمس أحداث ثانيةِ حلقات برنامج “أمير الشعراء” على إيقاع التسامح الذي سبق وأعلنت الإمارات أنه سيكون شعارها للعام 2019. وهو التقليد الذي اتبعته الإمارات منذ عام 2015، حيث بدأت بتسمية الأعوام منذ عام 2015 مع عام الابتكار، ثم عام القراءة 2016، وعام الخير 2017، وعام زايد 2018.

أما 2019 فكُلِّل بلقب التسامح، مثل ما كّللت – في مسرح “شاطئ الراحة”- الشاعرة الإماراتية عائشة الشامسي بانتقالها إلى المرحلة الثانية من البرنامج إثر حصولها على 73 درجة، وإلى جانبها الشاعر العراقي سعد جرجيس الذي حصل على درجة 58، وذلك بعد أسبوع كامل من انتظار نتائج التصويت التي جُمعت مع درجات التحكيم.

وليلة أمس استمعت لجنة التحكيم المكونة من د. علي بن تميم، د. صلاح فضل، ود. عبدالملك مرتاض إلى ما قدمه شعراء الحلقة، وهم ابتهال تريتر من السودان، وخلود بناصر من المغرب، وعبدالمنعم حسن من مالي، وهاني عبدالجواد من الأردن.

فذهبت أعلى الدرجات للشاعرة ابتهال تريتر التي حصلت على 47 درجة من أصل 50، فيما حصلت خلود بناصرعلى 45 درجة، تلاها هاني عبدالجوادبحصوله على 42 درجة، وأخيراً عبدالمنعم الذي حصل على 38 درجة.

والبرنامج الذي تنظمه لجنة إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية والتراثية في أبوظبي – وتبثه عادةً قناتا بينونة والإمارات على الهواء مباشرة – حضره ليلة أمس اللواء فارس خلف المزروعي رئيس لجنة إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية والتراثية في أبوظبي- وعيسى المزروعي نائب رئيس لجنة إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية والتراثية بأبوظبي، والأستاذ سلطان العميمي مدير أكاديمية الشعر، ود. غسان الحسن عضو لجنة تحكيم برنامج “شاعر المليون”، وأعضاء من السلك الدبلوماسي السوداني في السفارة السودانية بأبوظبي، وجمهور ملأ المسرح ليس فقط بعدده، إنما بابتهاجه حين عبّر عن استمتاعه بما قدم الشعراء.

وليلة أمس أفرد “أمير الشعراء”؛ مساحةً للحديث عن أهم حدث عاشته الإمارات منذ إعلان عام التسامح، وهي زيارة البابا فرانسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية الذي أقام قداساً في مدينة زايد الرياضية، بالإضافة إلى زيارة الإمام د. أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف في الوقت ذاته، حيث تحدثت مقدمة البرنامج لجين عمران على تلك الزيارة وأهميتها.

وخلال أحداث حلقة أمس؛ غنت عُرَيب قصيدة “يا زائري في الضُّحى” من كلمات وألحان الأخوين رحباني، والتي سبق وغنتها فيروز. فيما عزفت فرقة بيت العود” خلف رئيس الفرقة الأستاذ أحمد طه.

وعرضت الحلقة أيضاً مجموعة من التقارير حول الشعراء المشاركين في الحلقة، بالإضافة إلى تقرير عن نشاطاتهم في نادي مندرة للفروسية بأبوظبي.

“إغفاءة على صدر يوكابد” يؤهل ابتهال

ابتهال تريتر من السودان كانت أول الشعراء الذين قدموا قصائدهم ليلة أمس في مسرح “شاطئ الراحة”، فقدمت نصها “إغفاءة على صدر يوكابد” الذي حظي بإعجاب أعضاء لجنة التحكيم بالإجماع، حيث أفردوا للنص مساحة نقدية مهمة، فصفق الجمهور طويلاً للشاعرة التي قالت في أبياتها الأولى من النص:

ميقاتُك العِطْرُ عنْدَ المنتهى أسْرَى            

نيلاً يعانق في أرحامه السِّدْرا

كنخلةٍ علَّمت أترابها جُمَلاً

من العَطاء وألقَتْ ظلها جسرا

“يوكابِدُ” الحُزنُ شَظَّى اليَمَّ أفْئِدةً

من التوابِيتِ عند الضِّفةِ الأُخْرَى

أخِيطُ من كِبريائي ثَوبَ أُحْجِيتي

وأَرتَدِي الشَّمْسَ إني بنتُها الكبرى

ماعدتُ أرجو سُيُوفا كي تُنَبِئني

أنا التي ببقَايا نصْلِها أَدْرَى

لا أسْتَعيدُ خُناساً إنَّما بَلدِي

في كلِّ جَبْهةِ صُبْحٍ كَفَّنتْ صخرا

كان د. صلاح فضل أول النقاد المتحدثين عن النص،فقال إن الشاعرة تبتهل بالشعر كما يبتهل العالم إلى الله من عاصمة الإمارات التي شهدت قمة الروح غير المسبوقة في تاريخ الإنسانية، ومثل ما كانت رسالة الأديان تتجلى في المحبة والتسامح؛ فإن رسالة الشعر تعزز ذلك، لأنها تمثل الفن والحق والجمال، وليس أنجع من هذا في غرس قيمة التسامح. مؤكداً أن الشعراء يصنعون لنا العالم المثالي الجميل.

وحول نص ابتهال قال: إن الشاعرة تلتقط ملمحاً شعرياً بالغ الرهافة عن فؤاد يوكابد أم موسى، والتي كان قلبها مفعم بالرهبة والخوف والشوق لتدبير مستقبل آمن لابنها الغريق. ثم قال:

“ما أجمل وصفك وأنت تخيطن من الكبرياء ثوب أحجية، وترتدين الشمس معلنة أنك بنتاً لها. ففي البيت (يوكابِدُ الحُزنُ شَظَّى اليَمَّ أفْئِدةً/من التوابِيتِ عند الضِّفةِ الأُخْرَى) نسيجاً رمزياً مكثفاً وعميقاً يشهد بأنك لست مهندسةً للطاقة وحسب، وإنما مهندسةً للشعر المفعم بالطاقة. وبتقنيةٍ وذكاء توظفين التناص واستيعاب الموروثات والتصرف في القصيدة، مستخدمةً جملةً من العناصر التراثية القوية عندما تقولين مثلاً: (لا أسْتَعيدُ خُنَاساً إنَّما بَلدِي/في كلِّ جَبْهةصُبْحٍ كَفَّنتْ صخرا)، فلست الخنساء وبلدك يكفّن شبابه ويعيش على حافّة الحرب والسلم”.

وأضاف “كما تجيدين اللعب الشيق مع الرموز التراثية، مثل توظيفك قصة الخضر مع السفينة (وكم خرَقتُ على أمْواجِها سُفُنَا/سارَتْ على الرَّمْلِ لمَّا لمْتجِد بحْرا). ووصف د. مرتاض الشاعرة بأنها عاتية جبارة، تخرُجُ من أعماق السنبلة فنستطعم شعرها وثقافتها وإبداعها الرصين، على ما فيه من تغليف للرمز ومن ضوء بازغ جميل. مختتماً قوله بأن إعجابه يتزايد بشعر ابتهال كلما قرأتْ أمام اللجنة قصيدة”.

وقال د. علي بن تميم: إن القصيدة جميلة، وفيها حزن، وألم شفيف تتجاوز فيه الذات بعدها الفردي إلى البعد الجمعي. والشاعرة تتخذ من والدة النبي موسى يوكابد بنت لاوي قناعاً لها، فتتحدث من خلاله.

وأضح أن وفي القصيدة كذلك حمولات دينية كثيرة، مثل (الميقات، الإسراء، السدرة، الجدار، الغلام، سورة الكهف، الحوت، الجبة، الحلاج) مما يهشم الصورة أكثر وأكثر، وحمولات شعرية شتى تشير إلى الخنساء وصخر ونزار في رثائه لبلقيس بقوله: (سيعرفُ الأعرابُ يوماً/أَنَّهُمْ قَتَلُوا الرسُولَة)، أما الشاعرة فقالت: (بكيت كلَّ  نزارٍ في رسُولتِهِ/وصِرتُ أتْلُو على أَشْلائِها شُكْرا).

وأضاف”تخيطين من ثوب الكبرياء الأحجية، وتعلنين أنك الابنة الكبرى للشمس، وفي ذلك تضخم كبير للذات، فالخياطة العظيمة تلك التي تجلت عند أبي العلاء المعري حين قال: (جسدي خرقة تُخاط إلى الأرض/فيا خائطِ العوالمَ خطني)، لكن قصيدتك – وهنا جمالها – تقاوم الذكورة ونقاب العقل وحجاب البصيرة، لتتمرد وتتحرر وتستعيد المرأة أنوثتها والضوء والانكشاف. مشيداً بجمال البيت: (وأستعيدُ مَقامَ الضُوءِ شَاهرةً/سيفَ الحياةِ لمن ألقى لنا قَبْرا)”.

وقال د. عبدالملك مرتاض لابتهال: “إلقاؤك كان جميلاً جداً، وإن كنت بالغتِ أحياناً في التأليق الصوتي. والشأن في اللغة المعجمية في شعرك يحيّر قليلاً، فأنت شديدة الجرأة على استعمال ما لا يستعمل، حين قلت: (أشْبَلْتُ أشْبَلْتُ حتى أَشبَلَت لغتي/وفجّر الحبر من أوجاعها زأرا)، فمعنى (أَشْبَلَتِ المرأَةُ على أَولادِها: أي حَنَتْ عليهم بعد زوجها ولم تتزوَّج). وهنا أوضحت الشاعرة أنها كما يشير المعنى تماماً”.

وأضاف د. مرتاض أن الشعرية في القصيدة عارمة، اطّفَحَت ففاضت حولها. وعن البيت الذي قالت فيه ابتهال: (أخِيطُ من كِبريائي ثَوبَ أُحْجِيتي/وأَرتَدِي الشَّمْسَ إنّي بنتُها الكبرى) أشار د. مرتاض إلى أن دون هذا البيت تنقطع أعناق المتسابقين.

ورأى أن في القصيدة أحياناً تكثيفاً، معتبراً ذلك هو اللغة الشعرية، وخصوصاً عندما تقول الشاعرة: (أنا الجِدارُ الغُلامُ الحُوتُ مَعْذرةً/لم أستطِعْ رغم ما في جُبتِي صَبْرا). وقال لابتهال: لقد ثرتي على اللغة وعلى تقاليد التعابير اللغوية، وجئت بلغة شعرية جديدة (يوكابِدُ الحُزنُ شَظَّى اليَمَّ أفْئِدةً/من التوابِيتِ عند الضِّفةِ الأُخْرَى). وفي قصيدتك أنثوية طامية حين قلت: (العطر، الأرحام، إنّي بنتها الكبرى، أشْبَلْتُ)، فأنشدتنا نصاً شعرياً أنيقاً وجميلاً وكبيراً.

خلود بناصر.. “نبوءة للسلام”

خلود بناصر ثاني متسابقة في الأمسية، وهي التي ألقت نص “نبوءة للسلام” الذي حاز على اهتمام لجنة النقاد، فقالت:

منْ نوتتيْن حزينتين.. سأبدأ

سينا م طفلٌ لا ينام

ويهدأ

“دو” “ري”

ويجتمع الحمام

حمامةٌ ستعود للعشِّ القديم وتهنأ

“مي” “فا”

وينسحب الظّلام

نهارنا بالنّور في أعتابه يَتَوضأ

“صول” “لا”

ونرقب هدْهداً

بسلامنا هذا الشهيِّ لروحنا يَتنبّأ

“سي” “دو” ونصع سلّمَ الإنسان

لا بردٌ هناك

وبالمحبّة ندفأ

من نوتتين حزينتين

ونوتة

كأنايَ شاعرةٍ

تخطُّ وأقرأ

د. علي بن تميم قال: إن نبوءة السلام في القصيدة تبدأ من أبجدية الموسيقا وأحرفها. وإن الموسيقا هنا رمز لتقويض احتكار الصواب. وأجمل ما في القصيدة أنها تتكئ على السلم الموسيقي لتصنع نغماتها، وهذا ابتكار جميل.

وأشار إلى أن خلود توظّف حركة الحمام في بناء نصها، فتنقسم تلك الحركة إلى قسمين، أولهما تصويري يرسمها موسيقياً، ثم تفسيريّ يشرح دلالاتها. وبين التصوير والتفسير تتحرك القصيدة في بنية متقنة ولغة موحية. ورأة الناقد أن القصيدة تذكّر بقصيدة الشاعر عبدالرزاق عبدالواحد في مطلعها وفي وزنها، وهي “سلام على بغداد مرة أخرى” التي قال في مطلعها: (بَلى صَبأوا قبلي وإنِّي سَأصْبأُ/ فأبدأُ منكِ الآن ما دُمتُ أبدأُ).

وأضاف د. بن تميم إلى أن الموسيقا منبعاً للشعر والكتابة والبصيرة والاجتماع، ومنبع اكتشاف الذات، معلّقاً على جمال البيت الذي يؤكد أن لا احتكار للصواب والحقيقة المطلقة.

(سنعيد تشكيلَ الملامح

ربّما سيطلُّ سرٌّ في الوجوه

مخبّأ)

ذاك الاحتكار الذي انتقده أبو العلاء المعري حين قال: (في اللاذقية فتنة ما بين أحمد والمسيحُ/هذا بناقوس يدق وذا بمئذنة يصيحُ/ كلٌ يعظِّم دينه يا ليت شعري ما الصحيحُ).

 من جهته أكد د. عبدالملك مرتاض أن خلود أنشدتنا قصيدة كبيرة ورائعة وجميلة، وهي في قصيدتها توضح مدى اشتغالها على اللغة عموماً واللغة الشعرية أساساً. وثمّن لغتها المعجمية، واشتغالها على الإيقاع الداخلي باستخدام عبارات مثل: (ويجتمع الحمام، وينسحب الظلام)، وهو ما يدل على أن للشاعرة حاسة سادسة مع اللغة الشعرية، وهو المطلوب من الشعراء. ثم قال: إن لغتك الشعرية يا خلود في غاية الانسيابية والجمال، حتى كأنها هي التي كانت تنثال عليك لا أنت من تذهبين إليها بحثاً عنها. واعتبر د. مرتاض أن الصورة التي جاءت بغاية الجمال تمثلت بقول الشاعرة:

ينسحب الظلام

نهارنا بالنّور في أعتابه يَتَوضّأ)

وكشف كذلك عن “تناصٍ راقٍ” مع سورة النمل ورد في البيت:

(ونرقبُ هدهداً

بسلامنا هذا الشّهيّ لروحنا يتنبّأ)

غير أن البيت الذي قل نظيره، فقول خلود:

(النّازحون من اللغات

ومعجمٍ

يملي دما ما

والموسيقى ملجأُ).

د. صلاح فضل أثنى على نص خلود، وقال لها باعتبارها تتعلم العزف على آلاتي البيانو والكمان: أنت لا تضيعين وقتك وتدرسين العزف فتستخدمين النوتة الموسيقية في القصيدة، وهذا ذكاء شعري. إذ على الشاعر أن يعدد مداخله وطرائقه في التعبير الشعري. وأنت تعزفين مقطوعة شعرية ولا تكتبينها فقط، وتقيمين توازياً بين الإيقاع الموسيقي والتصاعد الدلالي في النص مع كل حرف في النوتة (ينام الطفل، تعود الحمامة إلى العش الهادئ، يتوضأ الكلام بالنور، يتنبأ الهدهد، نتفيأ الحب، وتنتصر فكرة الإنسان)، وفي ذلك تسلسل جميل.

وأضاف لأنك ما تزالين شابة؛ فقد ارتبكتِ قليلاً في هذه الرقصة الشعرية حين قلتِ:

(النّازحون من اللغات

ومعجمٍ

يملي دما ما

والموسيقى ملجأُ)، فخطفت الموسيقا لكي لا ينكسر وزن البيت.

وتجيدين بقدرة فائقةٍ توظيف الاقتصاد اللغوي، وبكلمات قليلة ترسمين لوحة ناطقة، فجئتِ بأجمل ما يقال، وهو ما تجلى في:

(شجرٌ وماءٌ ثم ما يكفي لكي

نأوي إلى حبٍّ

به نتفيّأُ)

أما بنية القصيدة فموسيقية تحقق درجة عالية من الهرمونية من حيث القدرة على التعلق بنجمة السلام والتنبؤ بها، وكل ذلك جواب للقرار الذي بدأت به الشاعر في الجزء الأول من النص الذي شعر يحاكي روح فتاة غضة ناضرة، منحت الشعر مسحةً أنثوية رقيقة.

عبدالمنعم.. ذكرى تتوهج في الدِّقة

عبد المنعم حسن كان ثالث شعراء الحلقة، حيث ألقى “ذكرى تتوهج في الدِّقة“، وهو النص الذي وجده النقاد أنه لا يرقى إلى المستوى الذي يضمن التنافس للشاعر مع بقية شعراء الموسم، وجاء في مقاطع النص الأولى:

قنديل الله الساطع يجثم فوق محيط الأشكال

جريئًا كالسحر الطاغي في تحديقة نسر

أدخل عبر دهاليز الأفق إلى بهوٍ من فخّار

وامرأة راكعة تكنس رمل الذكرى..

أتعثَّر بتماثيل العاج، عروق التِّبْر الكامن في الأصلاد،

طبول جفَّت فيها أذرع أسلافي

ورماح منْهكة كم طعنَتْ أقمارًا وأيايلَ!

لولا أن النهر ينام حزينًا ووحيدا، ما مدُّوا كفًّا للأبنوس

ولكن ما مَسُّوا جذرا.

ثمة أشياء لم تمسسْها قَطّ يد

منذ هيولى البذرة

وكذلك تبقى في الأبديّة عاريةً من زيف الأسماء

د. عبدالملك مرتاض تحدث عن اللغة المعجمية الجميلة التي يتقنها الشاعر. ومن جانب آخر يعتقد د. مرتاض أن النص لا يرقى إلى مستوى المنافسة الشرسة، وخصوصاً عندما قال الشاعر (وكذلك تبقى)، إذ هبط بمستوى الشعرية إلى النثر الرديء.

وأضاف د. مرتاض: إن لقصيدة التفعيلة شروطاً جمالية مشهورة ومعلومة لدى النقاد، ومنها: تدفقها في الجمال، وانسيابية نسجها خضب الخيال، وقدرتها على التأثير في المتلقي، وهذا ما لم تحققه قصيدة عبدالمنعم. مشيراً إلى أن لا مناص للشاعر المبتدئ من الاندساس في جلباب شاعر كبير، فيتعلق به ويتكئ عليه. شاعرٌ كالسياب في شناشيله وأنشودته، وبولند الحيدري في شعريته، وأمل دنقل في روائعه، وصلاح عبدالصبور في بدائعه. لكن عبدالمنعم ابتعد عن كل هؤلاء، وجاء ينحت كلاماً من جلمود صخر لا يكاد يقدم ولا يؤخر. ومع ذلك أقرّ لعبدالمنعم بشيء من الشعرية، وخصوصاً حين قال:

(ما أحلى موج الذكرى يتمدد في دعةٍ دون نشاز

يتراقص كالنحل على أوتار القيثارة

والأرض الطفلة تسبح في نبضي).

وختم د. مرتاض بأسفه لأن النسيج الوارد في هذا البيت غير موجود في عموم النص الذي لا يدهش المتلقين ولا يبهر السامعين.

من ناحيته اعترف د. صلاح فضل بقسوة د. مرتاض على الشاعر. معتبراً أن القصيدة تهويمة عجيبة وجميلة في أحضان الذكرى الأنثروبولوجية الإنسانية. فهي توظف تقنيات قصيدة التفعيلة بشكل جيد.

وأشار إلى أنه في البداية تظهر صورة المرأة الحسية راكعةً لتكنس رمل الذكرى، وبهو الفخار بتماثيله العاجية، وطبوله الجافة، وكل ذلك يشكل جسداً لنص قيم. لكن يُفلت الخيط من يدي عبدالمنعم حين يعود إلى التهويمات المطلقة في الشعر الجميل.

ثم قال د. فضل للشاعر: تمعن في استبطان الذكرى الأولى للبشرية في الغابات، وقد لفتتني مفردة السافانا، ما يدل على أن تجربتك الشعرية ذاتية موغلة في الهيولى الكونية، لكني لا أحسبها منافِسة في السياق الذي نحن فيه.

د. علي بن تميم استهشد بدايةً بما جاء في نص عبدالمنعم:

(ثمة أشياء لم تمسسها قط يد

منذ هيولى البذرة

وكذلك تبقى في الأبدية عائية من زيف الأسماء)

وهو ما ذكّره ببيت أبي تمام: (لا تَسقِني ماءَ المُلامِ فَإِنَّني/صَبٌّ قَدِ اِستَعذَبتُ ماءَ بُكائي). وبرأي د. بن تميم أن الحواس تتداخل في القصيدة، فيعطي الشاعر السمع للبصر، والحس للذوق أو اللمس، ومع أن القارئ والسامع يشعران بحركة الإيقاع السريعة المتدفقة اللافتة، إلا أنها لا تقود إلى، فأثناءها تولد معانٍ متلاحقةٍ لا رابط بينها. وربما كان الشاعر يشرح ذكريات فيها هسهسة وبحة لا تكاد تفهم.

ورأى الناقد أن في النص أفعالاً لا علاقة لها بحركة الذات، نظراً لارتباكها بضمير الأنا (أدخل، أتعثر، أسمع). مؤكداً على غياب المعنى وضبابيته فيما قدم عبدالمنعم. ومشبّهاً النص هو بدائرة الماء التي لا تتوقف، وما يتشكل من لغةٍ أثناء الدوران يصنع انسياباً فقيراً في دلالته.

المشية الأخيرة لراحة الأرواح

آخر شعراء الأمسية هاني عبدالجواد قدم نصه “المشية الأخيرة لراحة الأرواح“، والذي اعتمد فيه على حرف (الكاف) كقافيةٍ حيّرت د. صلاح فضل الذي لم يدرِ من يخاطب الشاعر، مفترضاً حيناً أنها تعود إلى الشعر، وحيناً إلى نفس الشاعر، أو إلى الذات الإلهية. ومن الأبيات الأولى للقصيدة قال عبدالجواد:

أمشيك مشي نبيٍّ ثم لا أجدكْ                    البحر مد يد الغرقى فأين يدكْ

أراك جداً فلا تظهر علي فقط                    لوح ليسلك درب الغيب مفتقدكْ

جداً أراك ورائيك احتمى جبلاً                 خرّا تباعاً وظل المشتهى جسدكْ

راهنت عنك/عليك الدّهرِ بي كلفٌ           فليس عندي كفاء المبتلى جلدكْ

ناولني الدرب فالماضون فيك مضوا        وظلّ لي في ظلال المنتهى أبدكْ

قلت الزمان أتى حبواً فكم أمد                 يأتي ليأتي على ماضي الحياة غدكْ

وحول التعدد في المرموز؛ قال د. فضل إنه أمر يحسب لهاني وليس عليه. معترفاً بأن ما لفته في جملة هاني الشعرية المتداخلة؛ التقديم والتأخير والاعتراض والاستبدال. ولعل هذا ما لا يستطيع متابعته القارئ بيسر وسهولة، وخصوصاً في البيت: (راهنت عنك <span dir=”LT…(انتهى)



مكة المكرمة