فيلم A Gentle Creature ” كائن رقيق ” مناورة ثقافية خارج سياق سلطة شمولية !

الرابط المختصرhttp://www.ashurnews.com/?p=16742

فيلم A Gentle Creature ” كائن رقيق ” مناورة ثقافية خارج سياق سلطة شمولية !

Linkedin
Google plus
whatsapp
23 فبراير , 2019 - 10:28 م

(بغداد – آشور) صباح محسن …عادة ما تتغير بوصلة النظر للاشياء بعد حدوث متغيرات تاريخية كبرى ، تهز ، او تتلف ، زاوية النظر الغير متحركة ، لتُطيح بقناعات بدت أنها ثابتة ، ولن تتغير ؟ يحدث ذلك في الهزات الاجتماعية ، او السياسية او الاقتصادية الكبرى. لتقفز الى سطح القناعات ، ايمانات ، ووجهات نظر ، ورؤية ، تتماهى بقبول ، مع ماتم تغييره ، وهذا يجري بالتوافق مع الاحداث التاريخية بشكل صادم ، وغير خاضع لمفهوم ، او جلبة معرفية ! تتغير الاحوال ، برمشة عين ، لتقبع في الظلام ، منسية ، تلك الاحلام التي دفعت للسرديات الكبرى ، بالخفوت ، والتلاشي ، ولتتوارى بدفع من حكمة قديمة وقلقة تؤمن بالتحولات ، لتتماهى ، وبحذر ، وحنين آفل لما مر ، وما سوف يمر…!


يحدث ذلك في السينما ايضا ، كونها ، احدى علامات التغيبر الرئيسة في واجهات المجتمع ، حالها مثل حال الكثير من الاشياء المؤسسة لموتيفات الثقافة في اي بلد ، من الآداب والفنون ، والعلوم ، وقطاعات اخرى كثيرة تتأثر بأي متغير شامل وعميق .
فيلم ” كائن رقيق ” يمس هذه الثيمة بشكل مباشر ، ودون خوف ! ويتقرب لمماحكة بعض من مظاهر النظام السياسي في روسيا ، ويتوارى خلف اسقاطات سياسية سابقة في عهد الاتحاد السوفياتي ، يشير اليها بوضوح ، دون حذر ، ويمس قناعات ، كانت الى عهد قريب صعب مساسها ؟
قدم المخرج سيرجي لوزنتيسا قراءة مغايرة لما عهدته القناعات الراسخة عن المجتمع الروسي المغلق ، جراء وقع سلطة سرديات كبرى في تاريخه المعاصر ، وقوة تأثيرها على الايمان المرتبك لمجتمع يضج بالتنوع..
ولد المخرج سيرجي لوزنتيسا في روسيا البيضاء عام 1964 وهو كاتب سيناريوهات ، عرف عنه اشتغاله منتصف التسعينات للعديد من الافلام الوثائقية عن حياة المجتمع الروسي وتحولاته الكبرى ، بعد البروستريكا ، والتي جاوزت 16 فيلم ، ليتحول الى اخراج الافلام السينمائية الطويلة في العام 2010 في عدد من الافلام التي اثارت الانتباه اليه ، منها فيلم فرحي عام 2010 وفيلم في الضباب عام 2012 وفيلم ميدان عام 2014 وفيلم اوسترليز 2016 وهناك فيلم لم يرَ النور لاسباب غير معروفة ، والفيلم الذي نحن بصدده الآن وهو من انتاج عام 2017 وهو من تأليفه ايضا

.
تناول الفيلم المتغيرات التي طرأت على المجتمع الروسي ، وفي عمق الاجتماعي ، واسقاطات السلطة ، سابقا ، ولاحقا ، على بنيته ، وآماله العريضة ، بأسلوب تهكمي ، مغلف بكوميديا سوداء ، لكشف الكثير من المتناقضات في بنية المجتمع الروسي الخارح توا من مظاهر ادارة سياسية شمولية ، ارهقت الثقافة الفردية للشخصية الروسية بالعموميات ، والمفاهيم المطلقة المفتوحة على آفاق انسانية شاملة …!
وقد تم تمرير الكثير من الافلام الروسية بعد البروستريكا خارج سلطة الرقيب ، او تلك السلطة القامعة ، وبطريقة لاتخلو من غض الطرف على انتاج بصري قد يوحي للآخر المُشّبع بأفكار مضادة عن الداخل الروسي المغلق ؟ ونجحت الكثير من الافلام في عبور حاجز الرقيب لتحميلها اسلوب التهكم والسخرية ، والكوميديا ” المخففة ” لتلافي مصيدة الرقابة الصارمة .
في قرية صغيرة في الجنوب الروسي تبدأ الحكاية ، عن إمراة وحيدة تبعث بطرد عبر البريد المحلي لزوجها القابع في احد سجون المدينة ، معبأ بأشياء تخصه ، لتبدأ الوقائع بعد ذلك بعودة الطرد للسيدة الوحيدة وكما هو ، حين أودعته البريد ! لتكون رحلتها من قريتها الصغيرة الى المدينة التي تحوي السجن والذي يسكن فيه زوجها ، بحسب تعبير سائق التكسي الذي أقلها من مدينتها الصغيرة ، والموّشى بعقلية نقدية ، وفطنة ، ليتناول وبشكل واع النتغيرات التي ضربت المجتمع الروسي بعد التحولات ، وسخريته اللاذعة لكل ما تم الاتيان به كبديل عما اعتادت الناس عليه ، حيث يصف الناس الذين يقبعون بالسجن بأنهم : اشبه بالاموال الجامدة والتي تودع في بنوك ميتة ، حيث لا حركة للمال ، وليست هناك فائدة من اولئك الرجال السجناء..! الى حيث احياء ومناطق ونماذج كثيرة ومختلفة على قارعة طريق رحلتها ، المليء بالمفارقات والاحداث المتعددة ، بين نماذج التائهين بالطرقات ، الى بيوت البغي المنتشرة على طوال طريق رحلتها ، وعصابات المخدرات ، والخطف ، والعنف المستشري في شوارع المدن الخلفية ، الى فساد الشرطة ، وايغالها في البطش ، مع تعاونها مع كبريات عصابات المافيا ، الى الحانات المغلقة للشاذين ، والخارجين على القانون ، الى عجائز يتشكيّن من غدر ازواجهن ، وهن فرحات لانهم في سجن المدينة ، وهن يمارسن البغاء..!
ولكي تصل المرأة الوحيدة والصامتة والغريبة ، والمليئة بحطام روحي ، وكأنها شاهدة حال على ما يجري في عمق المجتمع الروسي ، حيث أنها لم تتكلم ، الا بجمل قصيرة ومقتطعة ، من مثل ، نعم ، وماذا افعل ، وكيف ترى الامر انت ، او كما تريد ، او تريدين ! ، والتي برعت بأداء شخصيتها الممثلة المذهلة فاسيلينا ماكوفيتس والتي ترشحت عنه لجائزة مهرجان كان عن احسن ممثلة .
عمد المخرج سيرجي لوزنتيسا بإدارة كاميرته باسترخاء ، وهدوء ، وترك الكادر ، والذي نراه للمرة الاولى على شاشة السينما الروسية ، من نماذج لنساء كبيرات في السن يشربن الخمر بنهم ، وهن يتراقصن ، ويتعريّن في مسابقات عاهرة في بيوتات مخصصة لهذا الحانب من حياة الضياع والعدم ، وعدم وضوح الرؤيا بحياة مستقرة ، وشكواهن التي لاتنقطع ، الى نماذج من رجال اكثر انحطاطا وهم يمارسون الرذيلة بشكل معلن ، وفاضح !
اعتمد المخرج سيرجي بادارته للفيلم على الكاميرا المفتوحة عل مشهد جماعي ، ومحاولة ايقافها عن الدوران في كشف وجوه الممثلين ، وهم كثر ، لينتج مشهدا تكامليا من الحركات والايماءات والرفض بشكل عام لكل الممثلين مما اختصر الكثير من الابطال مع حكاياتهم ، والدفع باتجاه ابراز المأساة بشكل جماعي ، وهذه من سمات فيلم ” كائن رقيق ” بانغلاقه على ثيمة واحدة محركة لكل وقائع الفيلم ، مع تماسات هنا وهناك لوقائع مجاورة ، وقد نجح بذلك كثيرا .
رافقت احداث الفيلم بعض الاغاني المحلية الضاجة بالحكمة والالم ، والتي ساهمت في كشف وقائع محايثة للاحداث ، وعلى انغام متنوعة .
حفل الفيلم بالكثير من المشاهد الجميلة ، في محطة القطار ، وبعض من زوايا المدن الروسية البعيدة ، والمعزولة ، والكشف عن خفاياها ، وجس نبض حياتها . كل ذلك جرى تحت نظر المرأة الوحيدة والصامتة ، وكأنها ضمير الشعب الروسي بشهادة رؤيتها لما يجري في قاع مدنه ،
هناك مشهد جميل ، وذكي ، ومحمل برمزية عالية ، حين عودتها خالية الوفاض من رحلتها الى السجن ، وتلاعب بعض النصابين بنواياها ، وزجها في عوالم غريبة عليها ، ولم تر مثلها من قبل . واثناء عودتها الخائبة تسأل احد الرجال اليائسين والذي يتخذ من الرصيف مكانا له بجوار نافورة ماء يعبث بها ، لتسأله عن كيفية وصولها لللشارع العام لاستئجار تاكسي يرد عليها ، وهو يلعن كل شيء ليقول لها : خذي شارع العجوز هيغل ، ومن ثم عرجي يسارا لشارع صاحب اللحية الكثة ماركس ، ثم تتحولين اقصى اليسار ليلاقيكِ شارع صاحبنا لينين ، ومن ثم ساحة باسم احدهم ، وشوارع اخرى باسماء اهل الثورة ، لانه وكما تعلمين ان كل شوارعنا وساحاتنا مسجلة باسماء اولئك..! تأملته وهي شاردة الذهن ، لتتركه يهذي بالمزيذ من تهكماته .


كان المشهد الاخير بارعا بحق ، حيث اختصر المخرج كل فطنته في صناعته ، بشكل وطريقة اقرب للمشهد المسرحي الاحتفالي ، حين يُزج بها بعد انتظارها الممل في قاعة تضج بالمنتظرين ، لتهمس بإذنها احدي البغايا المعتقات والمتعاونة مع افراد شرطة فاسدين ودعوتها وبعد طول عناء ، وبخلسة ، دون آخرين غير منتبهين دورهم لرؤية زوجها السجين ، ليقوم افراد الشرطة بألزامها بتغيير ملابسها واكساء جسدها بملابس تشبه الى حد ما ملابس العروس ، لتنكشف القاعة عن مدير السجن البدين بلباسه العسكري الابيض وصالة طويلة محاطة بجميع من مروا عليها في الشوارع والساحات والتقاطعات ، والمدن الخلفية ، مع رجال العصابات ، والبغايا ، ورجال الشرطة الذين تعاملت معهم. وآخرين ، امام بهرجة وطعام وشراب يقودها مدير السجن البدين بلباسه الابيض وهو يدعوهم للحديث عن حياتهم في السجن والرعاية الممنوحة لهم منه ومن الحكومة ! ليسرد كل واحد منهم حكايته ورضاه عن المدير وسجنه والاكثار من المديح والتبجيل له ولادارته ، وابتسامات قائمة منه لقبوله مايتحدثون ! والمرأة الوحيدة والصامتة تنظر للواقعة من خلال زجها في مكان يشبه غرفة مصعد من العهد القيصري ، ليقوم مدير السجن ومن معه بتوديع المرأة الصامتة باشارات من اياديهم والشرطة ممسكة بيديها باتجاره سيارة ضخمة وعتيقة ومغلقة لزجها في ظلامها والبدء بتعريتها واغتصابها بشكل جماعي من جال الشرطة…!
ليقوم المخرج بإعادتنا لنفس الصالة التي تضج بالناس المنتظرين ، وهم نيام بشكل كامل ، حيث المرأة الصامتة وهي نائمة بينهم ايضا ، لتوقظها نفس المرأة الكبيرة والبغي ، لتقول لها ، هيا بنا لنذهب لزوجك ، لترد عليها المرأة الوحيد ، وبعد هول ما رأت في منامها ، الي أين….!
لتنسحب الكاميرا للوراء بطريقة هادئة مخلفة مجموعة الناس المنتظرين والنيام ، دون وقع موسيقى….؟

مكة المكرمة