صباح محسن .. اقتفاء الأثر لترميم إندثارات المدينة

الرابط المختصرhttp://www.ashurnews.com/?p=16308

صباح محسن .. اقتفاء الأثر لترميم إندثارات المدينة

Linkedin
Google plus
whatsapp
أكتوبر 29, 2020 | 8:31 م

(بغداد – متابعة آشور) رحيم يوسف
صباح محسن شاعر ومثقف وصحفي كبير واصل ويواصل عطاءه منذ سنين طوال كذلك تبرز امكانياته كونه يمارس النقد السينمائي بامتياز ولديه طروحات في مجالات ثقافية متعددة واسجل هنا قراءتي للبعض من نصوصه الشعرية المنشورة مؤخرا. 
اي لعنة تلك التي يعيشها الشاعر وهو يطل على خراب او خرائب ما يحب؟ وهويجول في طيات الذاكرة التي اختزنت الجمال المتواري وهو يدور بوجع في تضاريس الأمكنة التي ماعاد يألفها سوى أنها تعيد له سيلا من الذكريات الموشاة بالوجع ، وجع الجروح التي تنكأها وهو يتلمس حميميتها المفقودة إلى الابد فيسعى جاهدا لاستعادتها بالوجوه والممرات والأحداث التي تشكل الجزء الأكبر من ذاكرته التي تتحول بفعل لغة يومية متداولة إلى صور وتراكيب شعرية تتدفق بانثيالات مدهشة في محاولات يشوبها اليأس للانفلات من فداحة القبح/الخراب الذي يصطدم بخزين الجمال الذي ينتصر لاحقا في استعادة تلك الأحداث من خلال إعادة الترتيب التي يجنح إليها الشاعر هروبا مما هو قائم بفعل الخيال المتدفق الذي ينساب بعذوبة وشفافية فيعيد تشكيل تلك الأمكنة والأحداث بأدق جزئياتها لرسم المشاهد مجددا انطلاقا من تلك المخزونات محولا اياها إلى مشاهد مرسومة تقترب من لغة كتابة المشاهد المسرحية كما في نص(عيون الباب الشرقي).
هذا النص المرسوم بعناية شديدة تستعيد المكان من ذاكرة متوقدة فالارمن الذين هم ركن اساس من اركان المكان ماعادوا سوى جزء من ذاكرة المكان في مرورنا المتعجل عليه يوميا وقد اندثروا بفعل تسارع الأحداث لتتغير هوية المكان ولا يبقى شاخصا سوى ذلك الوجود الازلي للكنيسة بلقلقها الكهل ورمزيتها الدينية المعلومة للجميع ليشكل الشاعر نصه مشهديا انطلاقا منها ويصبح من الواضح جليا مقدرة الشاعر على إعادة كتابة تاريخ الأمكنة من فهمة المتقدم لحركة الأحداث وقدرتها على التأثر والتأثير فيما حولها ولو بدرجات متفاوتة ليصبح الشاعر كاتبا للتاريخ انطلاقا من تاريخه الشخصي غير المنفصل عن حركة التاريخ العامة وعلاقته بالامكنة مستعيدا شخوصها بصور مباشرة او ملغزة احيانا وبما يخدم نصه الذي بثه بحرفية مدهشة .
لقد تعمد الشاعر وضع مفردة عيون في بداية العنوان لإضفاء صفة الحيادية على ذاته التي لاتصف فقط بل تسرد تاريخية المكان فلم يفلح لأنه حول المكان من وجود محض متداع إلى لحظة اكتشافه الأولى للمكان فاعادت تلك العيون المراقبة ماكانت اصلا مستعيدة جغرافيته المندثرة ، شخوصه التائهين في طيات الذاكرة (فالتماثيل والمسطر وكولبنكيان والوشاة وسينما غرناطة وميامي) تلك هي ارواح كانت تبث الحياة في روح المكان ،الحياة ابدا.
والنص هنا يستدعي سبعينيات القرن الماضي لأن الباب الشرقي كما هو كان نقطة الانطلاق والعودة في الوقت ذاته لأجيال أثبتت فاعليتها في حركة الثقافة العراقية تاريخيا كما هو معلوم للكثيرين فهو بداية خط المسير اليومي نحو روح بغداد العامرة بالمكتبات وقاعات المسارح وصالات السينما والحوارات التي لا تنتهي الا عند حدود الثمالة في اخرة الليل في حاناتها الرحيبة الحاضنة:
(البابُ الشرقي 
موئلَ التائهين 
والعدميين 
واولئكَ المصابينَ بلفحةِ الضياع ! 
هو بابٌ للتيهِ والإزدراء 
والمتعةِ 
والطيشَ 
من ساحتهِ المرصعةِ بتماثيلَ الثورةِ 
حتى حاناتهِ المعبأةِ بالبكاء…..)
في هذا المقطع المجتزأ من نص (عيون الباب الشرقي) يختصر شخوصه المستعادة بعمومية هي أقرب للتنويه لأنه يطلق صفات دالة عليهم ربما لأنه يعرفهم جيدا لكنه أثر أبعاد التسميات لتظهر محددة في نصوص اخرى كنص (رامبو في سرجون) الذي يستدعي فيه الشاعر السبعيني الراحل خليل الاسدي مستدرجا المتلقي إلى التماهي مع تحولات رامبو بحياته المتقلبة المثيرة وحياة الاسدي التي تحولت في سنواتها الاخيرة إلى حياة رتيبة ساكنة قلقة.
وهذا الاستدراج الذي تمثل فيه الاسدي إنما هو تمثل واستعادة لحانة سرجون في أوج المجد الثقافي والسياسي في الستينيات والسبعينيات كذلك فيه تعمد وأعني النص وإحالته لما تبقى من ذلك الجيل على قيد الانتظار وهو إنتظار الموت المؤجل ، كذلك يمثل النص رسالة رفض واضحة للسائد على جميع الأصعدة ومنها الصعيد الثقافي تحديدا:
( خليل الأسدي 
حارسُ حاناتِ بغداد 
يطلُ على باحاتها 
مستنكرا خلوها من شعراءٍ أفذاذ ؛).
ها هو الشاعر يفصح عن بواطن نصه الملغوم وهو يتلبس روح صديقه الاسدي باحثا عن الشعراء في باحات الحانات التي لم تخل يوما من الشعراء وهي تورية عن باحات المدينة التي خلت من الشعراء بالتاكيد. 
تلك هي حانة سرجون التي تحولت إلى محض ذكرى عابرة بعد أن كانت مرتعا للشعراء والفنانين والمثقفين:
( وصارَ غريبا يُناشدُ ظلَ امرأة زنجية 
تُنسيه موت نصفهِ 
مدحورا 
يئنُ برائحةِ أجسادَ الأقنان…! 
أما حارسُ حانات بغداد 
ذاكَ الأسديُ 
ينثرُ شعره 
يحتسي ليلهُ 
ويظلُ عطرهُ بالمكان…).
حانة سرجون هي مرثية بحق لا الاسدي بل لايامنا التي تنفلت من بين أصابعنا ونحن نحدق في فراغ طويل لا نهاية له وبتطابق نهاية رامبو/الاسدي المطابقة لحياتنا مجتمعين :
(وماذا بعد)
السؤال غير القابل الاجابة في بداية وختام النص. 
اخيرا فان نصوص الشاعر صباح محسن تجنح لاستعادة بغداد المدينة وهي نصوص تبحث عن قاع المدينة الضاج بالحياة والحيوية ، بغداد بحاناتها ومقاهيها ، شوارعها وازقتها الخلفية النتنة التي لاتصلها الشمس بشعرائها وعشاقها ، مجانينها وعقلائها.

المصدر: ثقافية الصحيفة العربية

مكة المكرمة