حكاية غزة بين التحدي والاستجابة

الرابط المختصرhttp://www.ashurnews.com/?p=33536

حكاية غزة بين التحدي والاستجابة

Linkedin
Google plus
whatsapp
نوفمبر 25, 2020 | 6:21 ص

حكاية غزة بين التحدي والاستجابة

بقلم د: شادي الكفارنة

الأممُ حين تتعرض للمخاطر الكبرى ويكون توازن القوى في غير مصلحتها، تعود إلى إرْثها الحضاريّ في محاولةٍ لاستنهاض قدرتها على مواجهة التحدي، فالتحدي والاستجابة نظرية في التاريخ ويُعدُّ ” أرنولد توينبي” من أوائل المُنظرين لها، وإذا ما حاولنا أنْ نأخذ بهده النظرية وتطبيقها على واقعنا في غزة ، نجد أنَّ الناس يواجهون ويتحدّون ؛ ليصلوا إلى استجابة قد تكون إيجابية وقد تكون سلبية، فالمعروف أنَّ الواقع يتحدى الناس، فإن استجابوا له بإيجابيةٍ فسوف يتمكنون من إنشاء حضارة قويَّة ذات شأن، وإنْ استجابوا له سلبياً فإنَّ نمو الحضارات في ذلك الواقع لم يُكللْ بالنمو الحضاري ، فهو مرهونٌ بمدى استجابة الناس للتحديات التي تواجههم.

 إنَّ تحدي غزة لا يموت ولا يسقط بالتقادم، لكنّه يتحولُ إلى أشكالٍ أكثر تكيّفاً مع الحياة ، جرّبها مَنْ يعيشُ في هذه البقعة الصغيرة، إنّه الصباح الذي تحلّق فيه طائرةٌ صهيونيةٌ في السماء آمنةً سالمةً لا تخشى أحداً ، بينما الفلسطينيُّ ممنوعٌ من التنفس بأرضه إلا بإذنه ، سوارٌ يطوّقنا ، وجوعٌ يمزقنا بأنيابِ حادةٍ ، قلقٌ مبهمٌ، ويأسٌ جرى مجرى الدمِ، مفروض على أكثر من اثنين مليون نسمة يعيشون في غزة أن يكونوا إما مرضى أو جوعى أو متعبين يوشكون على الموت أو يتمنونه، أو يركضون وراء تأمين خبز يومهم، أو ساعة إضافية من كهرباء، أو أنبوبة غاز، أو تصريح معبر أو تحويلة علاج، المطلوب ألّا يرتاح أهل غزة كبشرٍ أبداً ، أنْ نتلوعَ دائماً معاناةً وتعباً وموتاً بطيئاً، يفْلِتُنا قليلاً ثم يعيدُ تعذيبنا، ألاّ نرفعَ رأسنا من مستنقع الشقاء إلّا لنتنفس بعض الهواء الذي يعيننا على البقاء أطول فترة ممكنة في ذات المستنقع قبل دفعة الأكسجين الثانية وهكذا …

تنهارُ علينا كسفٌ من النكبات لتجعلنا في قيعانٍ أعمق وأشدّ ظلمة، وأيُّ ظلامٍ أحلك من الانقسام الفلسطينيّ الذي سحبنا بمخالبه لظلماتِ بحرٍ لجيّ يغشاه حزن وكدر وأسى ، فنشر بيننا وباء الظلم والقهر والفساد، ولم نجدْ مصلاً ناجعاً لآثاره على نكبة ودم وموت غزة.

د: شادي الكفارنة

 مآسٍ متنوعة، عذابٌ بلا سبب، تسوّلٌ للحياة واللاشيء، يعاقبون على ذنوبٍ  ليستْ فيهم، ولم يرتكبوها، ماراثون عذاب أثناء نومهم وعند استيقاظهم، وكأنّ كلَّ أزمنةِ الجهل والظلم والقهر مكدّسةٌ ومكثفةٌ بجرعٍة واحدةٍ على أهل غزة، تراهم عطشى لحياتهم واحتياجاتهم المعيشية، لتجدهم مقسّمين على طبقاتٍ اجتماعيةٍ محدودة الدخل تصارع الحياة ، وبين يومٍ وليلةٍ يتحوّلُ كورونا إلى وحشٍ يطاردنا في غرفنا الصغيرة ، ليفرض علينا التباعد الاجتماعي الذي سِئم منه أهل غزة ، وأثّر على علاقاتهم وزياراتهم وتواصلهم الاجتماعيّ ، تكاد غزة أنْ تكون بقعةً منكوبةً تفتقرُ لأدنى مقومات النجاة من الأوبئة والحروب ، فأصبح لا فرقَ عند أهلها بين أنْ يموتوا بالطائرات الحربية أو بفيروس كورونا ، ولا بين سرير المشفى أو تحت الأنقاض ، لقد تعاملوا مع كلّ أشكال الموت حتى ألِفوه .

غزةُ تتمرد على كلّ شيء، تتعاملُ مع كلّ مصائبها ، مع التضييق، الحرب، الكهرباء، الانقسام، ومع الوباء، إنّها تحاولُ القفز عن المآسي بطريقتها غير آبهةٍ بشيء، وتعافرُ الموت حتى آخر نفس، ويتكيّفُ أهلها مع الواقع مهما كان مراً ، فأهلُها اجتماعيون يحاولون الاندماج مع الواقع المُعاش مهما كان، للأشجار العاشقة و للأرصفة الصلبة يغنّون، للسجن الكحليّ ولرفاق لهم في القبر يغنّون، لعصافير الثلج والبنت المجدولة كالحور يغنّون، على أرصفة الشهداء وبيوت الفقراء يغنّون، للشهداء المغمورين وللعمال العاطلين يغنّون، لتكون الاستجابة للتحديات التي تقف أمامهم كالجدار إيجابية ، فاستجابتُهم على تكيّفهم مع الواقع مثبتةُ النّور، بلهفتهم وبهجتهم في ملمس رمالهم ومياههم ، ولقد أسعفهم صبرهم وقوة استجابتهم للتحديات المتنوعة، فلم تعرَ أخلاقهم، وكانوا قصائد الشعراء والروايات والصور، واختاروا أن يكونوا في صدر كتب العزّة والصمود، فأحبّوا غزة وصدقوا وتمسكوا بها؛ ليجدوا الحلول للواقع ويكونوا قادرين على التكيّف مع التحديات التي تواجههم ، وقد يكون الوضعً متبايناً لما حدث في الاستجابة الايجابية أيْ تقفُ أمامهم تحديات واقعهم فتأكلهم المآسي والأحزان، ويتحسسون أيامهم على الظلمة، فيجوع المثقف والطبيب، ويهاجر الشبابُ والمهنيون بحثاً عن الفرص، ويموت الناس بلا سبب أو هدف ، وتصبح كلُّ الإجابات عن الموت نقاطاً وعلاماتِ تعجب، ونحيباً طويلاً تختنقُ فيه الأصوات ، وتصبح كلُّ الحلول لازمةً حتى ولو كانتْ كارثيّة، ويصيرُ أحدهم يتقبل فكرة قتل نفسه – الانتحار- فيشعر من حوله يصفّق له ، ويشجع يأسه، وإنهاء حياته ،وتصبح أفكارُ الجرائم وحملات الانتحاب والبكاء والقتل أخباراً يوميةً عاديّة، ونصل إلى دوامة من الدم والشيطنة والجريمة، ونخوضُ حروباً يوميةً مؤقتةً لنعيش اليوم التالي، ونقف حائرين نتأملُ في سؤال لا يشرد من أمام أعيننا.

كيف نفكرُّ في وطنٍ للأبدية؟  -عليه السلام حين يُسرق منا-

مكة المكرمة